الجامعة البهائية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجامعة البهائية

مُساهمة  امال رياض في الإثنين أبريل 09, 2012 7:01 am

منذ القدم والمعتقدات الدينية تلعب دورها الرئيسي في تأسيس الجامعات أو الجاليات(1). إنَّ تجاوب الناس المبدئي لتعاليم بوذا والمسيح ومحمد عليهم السلام هو أمثلة خاصة تلفت النظر إلى كيفية انضمام الألوف من البشر في مجموعات تجمعهم عقيدة واحدة، وكل جالية منها تنظم حياتها طبقًا لقواعد ومبادئ ترتكز أساسًا على ما جاء به مؤسس الدين. ومع نمو هذه الجاليات وقدرتها على تلبية احتياجات أفرادها بدأ الملايين من الناس في اعتناقها وبرزت في النهاية ثقافة وعنصر جديد في المجتمع.
كان هذا هو دور الدين حتى في أقل المراحل بدائية للحضارة الإنسانية. قال الفيلسوف الاجتماعي لويس ممفورد في كتابه البحثي "المدينة عبر التاريخ" The City In History حول كيفية تأسيس المستوطنات البشرية في المراحل الأولى من الحضارة الإنسانية: "يجب أن ترتبط هذه التجمعات بأشياء مقدسة وليس فقط بما يضمن لها الحياة. وعليه، فقد ارتبطت بنوع من الحياة أكثر قيمة وأسمى معنى، مثل مشاعر تتعلق بالماضي والمستقبل وإدراك للمغزى الروحي للولادة الجسمانية ومن ثمَّ سر الموت والحياة بعد الموت. وبينما تأخذ المدينة شكلها سيضاف إليها الكثير، إلاَّ أنَّ تلك هي المقومات الرئيسية لوجود المدنية وهي متلازمة للوضع الاقتصادي الذي يساعد على وجودها. ففي التجمعات الأولية التي كانت تعقد حول مقبرة أو رمز معين أو حول صخرة كبيرة أو مكان مقدس، كانت هذه التجمعات بداية لظهور سلسلة متعاقبة من المؤسسات المدنية التي كانت تتراوح بين المعبد والمراصد الفلكية وبين المسرح والجامعة([53])".

إنَّ عملية بناء الجامعة قد أخذت شكلاً متطورًا جدًا في الدين البهائي. فخلال القرن الأول من نشأتها كانت الجالية أو الجامعة البهائية Bahل'ي Communityمتمركزة بشكل رئيسي في بلاد فارس وكانت تمثل أقلية مضطهدة ومحرومة ولديها فرص قليلة لممارسـة شعائرها الدينية. وعندما طرحت الخطط التبليغية تحت توجيه وهداية حضرة شوقي أفندي، وعندما أصبحت هذه الخطط عالمية النطاق، فإنَّ الحياة المشتركة للمؤمنين بدأت تعكس بعض الطاقات الكامنة لبناء و"تشييد المجتمع". فهل سيكون الدين البهائي في نهاية الأمر تلك القوة الموجهة والملهمة للحضارة العالمية الجديدة مثلما كان حال الأديان السماوية الأخرى؟ إنَّه أمر سيبرهنه الزمن وحده. إنَّ الحقيقة الهامة التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار هو أنَّ هناك جالية أو جامعة بهائية عالمية موجودة اليوم ظهرت نتيجة فعاليات وأنشطة أتباع هذا الدين منذ أنْ تأسس عام 1844م وتزداد نموًا واتساعًا. إنَّ فهمنا للدين البهائي يقودنا إلى وقفة تقدير لذلك التطور الهام.

وكما لاحظنا سابقًا، فإنَّ الميـراث الروحي لأعضاء الجامعة البهائية هو شيء رائع ومؤثر. فتاريخ هذه الجامعة منذ عام 1844 مع كل تضحياتها وشهدائها وإنجازاتها وأوضاعها يمكننا القول إنَّها حقًا جالية شجاعة وبطله. إنَّ الدعوة البهائية فيها القوة والمنعة ذلك لأنَّ تعاليم حضرة بهاء الله ومبادئه تتعلق بمجموعة كبيرة من الشئون الإنسانية وتناقش قضايا عصرية وفكرية متعددة. ولا يستطيع أحد أن ينكر بأنَّ النظام الإداري البهائي هو إنجاز رائع سواء بالطريقة التي فيها طرحت المبادئ البهائية لترتبط بأهداف الدين أو بالنجاح الذي حققته المؤسسات البهائية طبقًا لما وضعه مؤسس هذا الدين بشكل محدد. إنَّ ما يزخر به هذا الدين الجديد من ميزات عظيمة يكمن في التاريخ والتعاليم والإدارة البهائية وهي ميراث حضرة بهاء الله لأتباعه.
فماذا فعل يا ترى وراّث حضرة بهاء الله بهذا الميراث العظيم؟

وما نوع الجالية أو الجامعة التي استطاعوا إيجادها أو آملين في إيجادها نتيجة لجهودهم المبذولة التي تضاهي أبطال وصناديد دينهم. وما هي الجهود التي بذلت لفهم مقاصد مؤسس الدين ورسالته؟ أو لتنظيم حياتهم بما يتطابق مع النموذج الإداري الذي أتى به حضرته وخلفاؤه المعينون؟

قد يكون مفيدًا أن نبدأ باختبار حجم الجالية ونوعية التوسع الذي حدث لها منذ نشأتها. وبينما لا تتوفر لدينا حاليًا إحصائية دقيقة لعدد البهائيين في العالم ولكن يبدو أنَّه يوجد أكثر من خمسة ملايين وينتشرون في شتى بقاع العالم يقطن نصفهم تقريبًا في قارة آسيا. إنَّ العدد الإجمالي ليس كبيرًا مقارنة بحجم الحركات الدينية الأخرى التي تعاصر مع الدين البهائي(1).

إنَّ مغزى ذلك التطور يبدو جليًا عندما ندرس طبيعة التوسع الذي حدث. فالتوسع كان شاملاً وعالمي النطاق. وهناك اليوم أكثر من 17335 محفلاً روحانيًا محليًا (إحصاء 1996) ‏منتخبًا يعملون بشكل جيد في أكثر من مائتي دولة مستقلة وإقليم رئيسي وهناك أكثر من 116859 مركزًا (إحصاء 1996) يقيم فيه بهائيون أو مجموعة بهائية. وقد قدّرت الجامعة البهائية العالمية بأنَّ أفرادها يمثلون أكثر من ألفي أقلية عرقية وقبلية يعيش الكثير منهم في مناطق نائية مثل جزر المحيط الهادي ومناطق القطب الشمالي وفي الغابات وفي الجبال. ومن أجل تنظيم وتربية الجاليات المتنوعة الموجودة في منطقة معينة تمَّ تأسيس 179 محفلاً روحانيًا مركزيًا أو إقليميًا (إحصاء 1998) أخذت على عاتقها ترجمة وطباعة الأدعية والآثار البهائية لأكثر من ثمانمائة لغة في العالم.

إنَّ جالية دينية صغيرة نسبيًا، واسعة في مدى انتشارها وتضم العناصر البشرية من أنحاء المعمورة وتنعم بتنظيم رفيع المستوى في مرحلة مبكرة من تاريخها لهو إنجاز يعد عظيمًا وغير عادي. ويمكن التحدث عن نفس هذا النجاح في حصول الجالية على هويتها وشخصيتها أمام السلطات المدنية. وبعيدًا عن الاعتراض الذي تبديه بعض الدول ومؤسساتها تجاه هذه الجامعة، فقد وطدّت الجامعة البهائية علاقتها بالسلطات المدنية كجانب مكمل لعملية تطورها.

وبفضل جهود مبذولة في سلسلة من الخطط العالمية استطاعت المحافل الروحانية على المستوى المحلي والمركزي من الحصول على تسجيل قانوني رسمي في العديد من الدول التي نشأ فيها الأمر الإﻟﻬﻲ. وتمَّ الاعتراف بعقد الزواج البهائي من قبل السلطات المدنية وفي بعض بقاع العالم بدأت الأيام البهائية المقدسة تأخذ وضعًا مماثلاً للأيام المقدسة في الديانات الرئيسية الأخرى في الأوساط التجارية والمدارس والمؤسسات الحكومية.

وفي الأمم المتحدة استطاعت الجامعة البهائية العالمية أن تتوسع بشكل مستمر ومطرّد فيما يختص بالعضوية التي منحت لها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي. فقام مندوبو الجامعة البهائية العالمية بالمشاركة في سلسلة واسعة من المؤتمرات الدولية التي عقدت تحت إشراف الوكالات والمنظمات المتعددة التابعة لهيئة الأمم المتحدة وتكون بذلك قد مهدت الطريق لإيجاد قاعدة لتفاهم دولي وفرصة للجامعة البهائية لكي تطرح أفكارها ومبادئها علـى المستوى الدولي(1).

تمَّ التركيز على إنَّ عامة الشعب في جميع أنحاء المعمورة -وكلما تسمح الظروف– يكونون على إطلاع وعلم بوجود الدين البهائي وطبيعة تعاليمه وأحكامه. وتقوم دور الطبع والنشر في دول متعددة بطبع وتوزيع مجموعة كبيرة من الآثار البهائية تتراوح بين مجموعات موثّقة من آثار حضرة بهاء الله إلى مقالات الباحثين والمحققين والكتب المبسطة ونشرات الأخبار والمجلات. كما استخدمت وسائل

إعلام أخرى بشكل مكثف مثل الأفلام والبرامج التلفزيونية والإعلانات والبرامج الإذاعية والصحف والجرائد والكتيبات والنشرات ومواد دراسية بالمراسلة والمعارض والمحاضرات والمدارس الصيفية والشتوية. في ربيع من عام 1996م ومع تفتح عالم جديد من التقنية الإلكترونية الحديثة الخاصة بنقل المعلومات والأفكار أوجدت الجامعة البهائية العالمية موقعًا لها في الإنترنت باسم "العالم البهائي([54])" The Bahل'ي World. إنَّ الهدف من جميع هذه الفعاليات والأنشطة هـو السعي لإبلاغ رسالة حضرة بهاء الله إلى كل فرد في العالم.

وضمـن برنامج التربية الروحية العامة لعب مشرق الأذكار (معبد بهائي) دورًا خاصًا وهامًا. وفي كل قارة في العالم يرتفع اليوم مبنى لمشرق الأذكار، وهناك مواقع أخرى تمَّ استملاكها في أنحاء متفرقة من العالم لبناء مشارق الأذكار في المستقبل، ومن المقدّر لها أن تلعب دورًا هامًا في حياة الجامعة البهائية. وفي ذلك الحين سوف تحيط به مؤسسات فرعية من قبيل المدارس أو المعاهد وفنادق ومنازل للمسنين ومراكز إدارية. وفي الوقت الحاضر لا تستخدم مشارق الأذكار بصورة رئيسية لأنشطة الجالية البهائية فقط، بل تفتح أبوابها لكافة فئات الأديان المختلفة (أو حتى تلك التي لا تعتقد بأي دين) لكي تلتقي معًا من أجل عبادة الله الواحد الأحد. أمَّا البرامج التي تجري فهي لا ترتبط بفرقة أو طائفة دينية معينة وإنمَّا تحتوي على تلاوة أدعية ومناجاة من الكتب المقدسة للأديان المختلفة في العالم وقراءات متنوعة كما لا تلقي نصح أو مواعظ أو أيَّة محاولة لإيجاد تفسير بهائي لتعاليم

الأديان. وغالبًا ما ترتل الآيات بمصاحبة الموسيقى من قبل جوقة مدربة. والشيء الوحيد الذي يميّز مبنى مشرق الأذكار احتواءه على تسعة جوانب تعلوها قبة وهو رمز لقبول الدين البهائي لكافة المعتقدات الدينية ويمثل حقيقة أنَّه بالرغم من إنَّ المشاركين يدخلون المعبد من أبواب مختلفة ألاَّ إنَّهم يجتمعون معًا من أجل عبادة إﻟﻪ واحد لا شريك له.

ومن جوانب متعددة يعبّر مشرق الأذكار عن تلك العلاقة القائمة بين الدين البهائي ومختلف عناصر المجتمع. فالمعابد البهائية هي أبنية مفتوحة تضيئها الأنوار من الداخل، وقد صممت لكي تعبّر عن الالتزام البهائي نحو الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد وللتعبير عن إمكانية التطبيق العملي للتعاليم والمبادئ المباركة. وبالنسبة "لأم معابد الغرب" الواقع في مدينة ويلمت Wilmette في ولاية إيلينويIllinois بالولايات المتحدة الأمريكية قام المهندس المعماري لهذا البناء بدمج عدة رسوم معمارية تقليدية ونسجها في تصميمه لتعبر عن رموز عدة أديان سماوية رئيسية حيث ذكر المهندس:

"عندما يتم استئصال الأفكار والمعتقدات التي دخلت على الأديان بواسطة البشر نلاحظ عندئذ إنَّ ما تبقى هو الوئام والائتلاف. وعلى أي حال فإنَّ الأديان ترزح اليوم تحت وطأة الخرافات والنظريات البشريـة التي يجب أن تأخذ شكلاً جديدًا تكون فيه طاهرة نقية مرة أخرى. ونفس الشيء بالنسبة للهندسة المعمارية… والآن وطبقًا للمفهوم الجديد للمعبد نلاحظ إنَّ المبدأ البهائي العظيم عن الوحدة والاتحاد ووحدة جميع الأديان ووحدة الجنس البشري تمَّ نسجه بشكل رمزي جميل. حيث نجد امتزاج الخطوط الهندسية التي تمثل ما يوجد

بالكون وتداخلها في حلقات وتداخل هذه الحلقات مع بعضها البعض وهو وصف لاندماج كافة الأديان في دين واحد".

كما يمكن ملاحظة التفاؤل الذي ملك على الجامعة البهائية في الهندسة المعمارية لمشارق الأذكار. ويعتقد البهائيون بكل ثقة وأمل بأنَّ غالبية أفراد المجتمع الإنساني سيؤمنون يومًا بتعاليم ومبادئ حضرة بهاء الله. إنَّهم يعتقدون بأنَّ مع استفحال مصائب ومشاكل هذا العصر ستضطر البشرية رجالاً ونساءً إلى البحث عن الحقيقة بشكل أكثر جدية. وإن عرضت رسالة حضرة بهاء الله بالشكل الملائم فإنَّ الباحث سيستجيب لما فيها من مبادئ وتعاليم أخلاقية يطبقها عدد متزايد من الأتباع. إنَّه في التصميم الهندسي المكشوف وتداخل مختلف أنواع الهندسة المعمارية فيها وفي تحررها من أية طقوس وشعائر دينية فإنَّ المعابد البهائية تعبر بصورة قوية عن روح التفاؤل والاستبشار.

يبدو أنَّ الجامعة البهائية محقّة في تفاؤلها هذا حيث إنَّ الدين البهائي اليوم يعتبر أكثر أديان العالم سرعة في الانتشار. ففي شهر إبريل (نيسان) من عام 1979م أعلن بيت العدل الأعظم بأنَّ مشروع خطة السنوات الخمس والذي طرح عام 1974م الذي أطلق سلسلة من الخطط التبليغية العالمية قد أنجز وحقق أهدافه على أحسن وجه. بل إنَّ النجاح فاق أهداف الخطة وخاصة فيما يتعلق بتأسيس المحافل الروحانية المحلية والمراكز المقرر فتحها. وقدرّت نسبة الزيادة في عدد المؤمنين الجدد خلال تلك الفترة بأربعين بالمائة.

أمَّا مشروع السنوات التسع الذي سبقه فقد شهد تناميًا سريعًا خاصة في قارة أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ونراه اليوم بارزًا في قارة آسيا وجزر المحيط الهادي. ونتيجة للإنجازات التي أحرزت طرح بيت العدل

الأعظم مشروعًا جديدًا سمّي بمشروع السنوات السبع ينتهي ربيع عام 1986م(1). وخلال هذه الخطة وبالتحديد في عام 1983م أجتمع أعضاء المحافل الروحانية المركزية في العالم في حيفا للمشاركة في المؤتمر العالمي لانتخاب أعضاء بيت العدل الأعظم الإﻟﻬﻲ. وقد فاق مشروع خطة السبع سنوات الأهداف التي حددت له.

إنَّ اتساع نطاق الجامعة البهائية العالمية وطبيعة هذا الاتساع الذي ميّزته تمَّ بحثه ومناقشته بصورة مختصرة. ولكن الأصعب من ذلك هو دراسة الحياة الداخلية للجامعة، أمَّا الطريق المباشر لذلك فهو الاستفادة من خبرات أفراد الجالية أنفسهم. كيف يمكن للشخص أن يصبح بهائيًا؟ وما الصفات الخاصة التي يجب أن تتوافر في الشخص حتى يعتنق الدين البهائي في هذه المرحلة من تاريخه؟

بالطبع ستختلف الإجابة من شخص لآخر، وستكون هناك أيضًا اختلافات حول بعض الأولويات والضروريات من منطقة لأخرى في العالم تؤدي إلى اختلاف نسبي في الخبرة المكتسبة لأفراد الجامعة. وبالرغم من ذلك فإنَّ تاريخ الدين البهائي وتعاليمه ونظامه الإداري المزدهر يمثل بمجموعه أساسًا سيكون بالضرورة موحدًا في أقطار العالم. وهذا لا شك يستدعي ضرورة الإقرار بأصول ثابتة موحّدة ممن يود اعتناق البهائية بغض النظر عن أصوله العرقية.

أمَّا مؤهلات من يرغب في الانضمام لعضوية الجامعة البهائية فقد وضحها لنا بيت العدل الأعظم في الرسالة التالية:

"إنَّ الدافع الرئيسي يجب أنْ يكون دومًا استجابة الإنسان لرسالة الحق تبارك وتعالى ومن ثمَّ معرفة رسوله والإيمان به. أولئك الذين أعلنوا عن إيمانهم بأمر حضرة بهاء الله يجب أن ينبهروا بجمال تعاليمه وتخفق قلوبهم بمحبة حضرته. إنَّ المؤمن الجديد ليس بحاجة إلى معرفة جميع الدلائل والبراهين على أحقية الرسالة ثمَّ التاريخ والأحكام ومبادئ الدين ولكن أثناء إيمانهم بالأمر المبارك فبالإضافة إلى اشتعال قلوبهم بنار محبة الله يجب أن يتعرفوا على شخصيات الدين الرئيسيين وكذلك الأحكام والقوانين التي يجب إطاعتها والإدارة التي يجب اتباعها(1)".

أمَّا أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في ظل عائلة بهائية فإنَّ إجراءات تسجيلهم رسميًا تتم بيسر وبشكل مباشر. وبينما لا تقر التعاليم البهائية فرض وجهة نظر معينة على الطفل خلال تنشئته، فإنَّ الأطفال البهائيين ينشأون أعضاء في الجامعة. فهم يشاركون في أغلب المناسبات البهائية ويدرسون التاريخ البهائي وينهلون من تعاليم ومبادئ حضرة بهاء الله بالإضافة إلى مبادئ الأديان العظيمة الأخرى ويشجعون على المضي قدمًا بالتمسك بالمعيار البهائي في الحياة بما يطابق مستوى سنَّهم(2). إنَّ ما ترّكز عليه التعاليم البهائية فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية المعاصرة لا شك أنَّه يساهم في تشجيع الشباب البهائي على الاستمرار في بحثهم الروحي والفكري في ما يكتنزه الدين البهائي. ومع ذلك

فهم أحرار في رفض أو قبول عضوية الجامعة البهائية، وعندما يصل الشاب أو الشابة سن البلوغ الشرعي وهو الخامسة عشرة حسب الشريعة البهائية، يصبح الشاب مطالبًا بتحمل مسئولياته الفردية في تأمين تطوره الروحي.
وفي حالة دخول البالغين الأمر المبارك فإنَّ قرار انضمامهم للجامعة غالبًا ما يستند إلى ارتباطهم ومعرفتهم غير الرسمية بالبهائيين. فنشاطات الجامعة الواسعة الخاصة بالإعلان عن الدين البهائي تجذب الألوف من الراغبين في معرفة المزيد عنه. ومن خلال حلقات دراسية صغيرة أو برامج شبه رسمية يمكن عرض التعاليم والأهداف والمبادئ البهائية إلى الراغبين فيها. وفي مراحل معينة قد يسألون عن طرق الانضمام للجامعة أو قد يدعون بواسطة البهائيين للانضمام. وفي حالة رغبتهم للانضمام يقدم الطلب للمحفل الروحاني المحلي في المنطقة والذي يدرسه بعناية ويقوم بإفهام الراغب تلك النتائج المترتبة على عضويته في الجامعة البهائية ومدى استعداده لتحمّل المسئولية والانقياد لتعاليم ومبادئ حضرة بهاء الله، وفي حالة قبوله لكل ذلك يتم تسجيله. إنَّ الدخول في الجامعة البهائية لا يستلزم إجراء طقوس أو شعائر دينية معينة أو أي تعهد أو التزام محدّد وإنَّما قد يحتفل بهذه المناسبة بشكل غير رسمي. وبعد التسجيل يمر المؤمن الجديد في عمليتين متزامنتين الأولى: النمو الروحي الشخصي والأخرى: كفاح كل جالية يافعة من أجل فهم المثل التي زخرت بها تعاليم مشرِّع هذا الدين. ومن الأمور الرئيسية التي يجب أن يلتزم بها الفرد البهائي في حياته، الدعاء والمناجاة، والتأمل والتفكر، الصلاة والصوم في فترته المحددة، تحريم شرب الكحول أو استعمال المواد المخدرة والمجاهدة من أجل الابتعاد عن الغيبة والنميمة. وكذلك قيام الجالية البهائية بإعداد برنامج طويل الأمد من أجل النمو والتوسع والذي يتطلب جهودًا مكثفة واهتمامًا بتحقيق الأولويات والأهداف. إنَّ إيمان الفرد البهائي ثمَّ أفعاله يفرضان التأكيد على وجود علاقة متبادلة بين الفرد المؤمن والجامعة البهائية.

إنَّهما تحدِّيان يلتقيان معًا نظرًا لأهمية الخدمة التي يؤكد عليها الدين البهائي. وقد أخبرنا حضرة بهاء الله بأنَّ أسمى تعبير عن الطبيعة الإنسانية هو الخدمة. فالنمو الروحي عندما يصل إلى تحقيق الذات فإنَّه يظهر في خدمات الفرد في سبيل تحقيق وحدة الجنس البشري. إنَّ الهدف من كل أشكال الانضباط الروحي للفرد هو تحرير الروح من سجن النفس، وزيادة وعي الإنسان باندماجه وارتباطه بالمجتمع الإنساني بأسره، وحصر طاقته في اكتشاف وسائل من شأنها خدمة ما يتطلبه الآخرون. إنَّ فعاليات وأنشطة الجامعة البهائية تمنح الأفراد مجالاً أوسع لمثل هذه الخدمة. وفي غياب رجال الدين فإنَّ شئون الجامعة يتم تنظيمها بحيث يضمن مشاركة أكبر عدد ممكن من أفراد الجامعة في الفعاليات والأنشطة.

إن المشاركة هو أمر يشجع عليه وبالأخص فيما يتعلق بدعم المساعي لاتساع نطاق الدين وانتشاره. فقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ أعظم خدمة يمكن أن تقدم في هذا اليوم هو تبليغ أمره. فكل فرد بهائي مدعو إلى المشاركة في عمل من شأنه نقل رسالة حضرة بهاء الله إلى جموع غفيرة من الناس تكون مستعدة لسماعها، وقد حذرنا حضرة عبد البهاء بأنَّ الوقت ضيِّق. إنَّ الأزمات والمشاكل التي تعصف بعالمنا اليوم ستزداد لتجلب معها المزيد من المعاناة بصورة تدريجية ثمَّ انهيار

المؤسسات القائمة في نهاية المطاف. يجب تطوير نمط بديل للحياة داخل الجامعات البهائية، ولا يمكن تحقيق ذلك دون زيادة كبيرة في أعداد المؤمنين في شتى أنحاء العالم الذين سيلتزمون بتطبيق تلك التعاليم الإﻟﻬﻴﺔ.

وليس مستغربًا أن نلاحظ بأنَّ المؤمنين الجدد هم أكثر البهائيين شوقًا وشغفًا للتجاوب مع هذا النداء. لأنَّ هؤلاء النفوس وجدوا شيئًا ثمينًا أعطاهم عظيم الثقة وحدد أهدافهم وهم بذلك توّاقون لمشاركة كافة الناس به. وفي التبليغ يتم التركيز على التعاليم والمبادئ الروحانية ولا إكراه في الدين. ولهذا يواجه البهائيون تحّد في إيجاد سبل لمشاركة أفكارهم مع الآخرين بحيث لا يتداخل ذلك مع خصوصيات الآخرين أو مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم. وكانت النتيجة من كل ذلك هو وجود مجموعة كبيرة من الخبرات الواسعة والمتنوعة التي انتقلت من مكان إلى آخر ومن شخص لآخر في العالم.

ليس من السهل تعميم أسلوب خاص بفعاليات التبليغ. ففي غالبية الدول الغربية يقوم الأفراد أو العائلات بالتبليغ خلال اتصالهم اليومي العادي بعامة الناس، فيتحدثون إلى الجيران والأصدقاء ومع الزملاء في العمل أو التعرف على البعض من خلال مشاريع الخدمات العامة والحلقات الدراسية والأنشطة المشتركة أو البرامج البهائية المفتوحة بابها للجميع. وفي مناطق أخرى من العالم يكون الدين محور حديث الكثيرين ومحط اهتماماتهم، وقد يشارك فيه جميع أفراد المجتمع في مناقشة التعاليم الروحانية الجديدة. إنَّ تسجيل أعداد كبيرة من المؤمنين بالدين نراه اليوم في مناطق مثل أفريقيا الوسطى وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا وذلك بفضل زيارة مجموعات من البهائيين

لتلك المناطق وطرح التعاليم والمبادئ الروحانية من خلال عروض موسيقية وإلقاء خطب وإعداد دورات دراسية عن الأمر المبارك.

في بعض الجلسـات الاجتماعية قد تأتي المبادرة في الحديث عن الدين من بعض الحاضرين. وقد سبق أن دعي أحباء أمريكا الشمالية للحديث عن الدين في اجتماع خاص في كنائس السود في الولايات الجنوبية أو "لمشاركة رسالة بهاء الله" في احتفالات أقيمت للهنود الحمر في السهول الكندية. كما استطاع البهائيون الأكاديميون في أمريكا الشمالية والهند وفي الشعوب الناشئة في المحيط الهندي أو في البحر الكاريبي من إلقاء العديد من المحاضرات والخطب في المعاهد والجامعات حول تعاليم ومبادئ الأمر المبارك.

إنَّ النموذج الأكثر شيوعًا في تبليغ رسالة حضرة بهاء الله هو عقد جلسة التبليغ Fireside. حيث برز هذا الاصطلاح بين البهائيين الأوائل في مونتريال بكندا مع أنَّ مثل ذلك النشاط كان مستمرًا آنذاك في عدة مراكز(1). فجلسة التبليغ أو (الفاير سايد) يعني اجتماع مجموعة دراسية صغيرة من الناس في منزل خاص بصورة دورية ومستمرة ويدعى لها الأصدقاء والراغبون في البحث والتحري. هذا النوع من النشاط غير الرسمي يعتبر مرتعًا خصبًا للباحثين عن الحقيقة، حيث يمكنهّم من إدراك المفاهيم البهائية والأحكام والتعاليم حسب قدراتهم الخاصة بعيدًا عن القلق الذي ينتابهم في الاجتماعات العامة نتيجة

الكشف عن بحثهم الروحاني الخاص. كما أنَّ هذه الجلسات تعزّز من الروابط بين المؤمنين الجدد الذين انضموا إلى الجامعة وبين زملائهم، وتسمح للمبلغ البهائي بأن يساعد المؤمن الجديد على الاندماج في الجامعة.

هناك نوع خاص من التبليغ يسميه البهائيون "الهجرة". وكما ذكرنا لا يوجد رجال دين أو كهنوت في الدين البهائي وليس هناك دعاة متخصصون لحمل رسالة حضرة بهاء الله إلى المناطق الجديدة وإنَّما يتوسع الدين البهائي نتيجة إقدام الألوف من أتباعه سواء بصورة أفراد أو عائلات على ترك أوطانهم والاستقرار في مناطق جديدة. ومن المفترض أن يقوم المهاجرون بإعانة أنفسهم من خلال التجارة أو المهنة ومن ثمَّ أداء خدماتهم للدين في أوقات فراغهم. وعليه، فإنَّ كثيرًا من المهن قد استبدلت، والبيوت بيعت واشتريت أخرى، وتعلم المهاجرون لغة ثانية، واعتادوا على نمط جديد من الحياة وكل ذلك في سبيل نشر الدين البهائي في مدن ومناطق وأقاليم جديدة.

والهجرة أيضًا قد تستدعي الانتقال إلى قطر مختلف كليًّا حيث لم تتأسس فيه أركان الدين بشكل قوي. وفي كل خطة عالمية للتبليغ يضع بيت العدل الأعظم قائمة بالدول التي تحتاج إلى مساعدة أفراد من جاليات أخرى مع تحديد لعددهم. وفي عدة خطط وضعت أهداف معينة لمختلف الجامعات البهائية المركزية وقد يطلب أحيانًا من ثلاث أو أربع دول مختلفة إرسال مهاجرين إلى منطقة أو دولة واحدة. ونتيجة لذلك قد يكون هناك هدف محدد في فنلندا أو هايتي قد تستقبل مهاجرين من إيران وفرنسا والولايات المتحدة، وعلاوة عما يجلبه هؤلاء المهاجرون الجدد من خبرات فإنَّهم يطبقون بذلك المبدأ البهائي

الخاص "بالوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد" (ودون شك هذا ما اتَّسم به أولئك المهاجرون الذين أتوا من الخارج).

ولذلك، فإنَّ الجامعة البهائية، بعملها هذا وكما هو الحال في جميع نشاطاتها، تعتمد مباشرة على المبادرة الفردية والمسئولية التي يتحملها كل فرد مؤمن. ولا يمكن لأي جهة أو مؤسسة أن تراقب مدى ما يقوم به أي فرد تجاه تبليغ أمر الله. بينما قد يتدخل المحفل الروحاني إن رأى بأنَّ الفعاليات التبليغية لشخص معين غير مناسبة بشكل ما. إنَّ استجابة الفرد لنداء التبليغ هو أمر يقرره ضميره ووجدانه. والأمر نفسه يندرج على الهجرة وهي خدمة ذات ميزات عظيمة. ففي كل شهر ومن خلال الضيافة التسع عشرية يتم إطلاع كل عضو في الجامعة البهائية المحلية على احتياجات الهجرة والتبليغ ويعلن ذلك في المؤتمرات وفي المنشورات المتنوعة للجالية. أمَّا المبادرة والاستجابة فيجب أن تنبع من قلب المؤمن أولاً وبالمشورة مع عائلته البهائية. ويمكن للمهاجر أو العائلة المهاجرة بعد ذلك أن تتصل بالمؤسسات الإدارية وتتشاور معها حول أهداف ومشاريع معينة.

إنَّ المشاركة التطوعية تعتبر أيضًا المفتاح لتعزيز البرامج المطروحة. وفي بداية كل سنة بهائية يقوم كل محفل روحاني محلي أو مركزي بإعداد ميزانية تقديرية له تغطي مختلف المشاريع بصفة عامة سواء فيما يتعلق بالأهداف التبليغية أو شراء أملاك أو مشاريع تنموية أو مصاريف إدارية أو خدمات للجامعة. ويتم الإعلان عن هذه الاحتياجات للجامعة أو الجالية البهائية مثلما الحال بالنسبة للتبليغ والهجرة. إنَّ جمع الأموال بواسطة منظمات أو هيئات دينية

وخيرية لا وجود له في الجامعة البهائية، وإنَّما يكتفى بإعلان عام وشرح للاحتياجات ولكن يمكن للأفراد أن يطرحوا استفساراتهم. إنَّ كافة التبرعات في الدين البهائي تأتي فردية وطوعية، ويحذر حضرة شوقي أفندي من أية ضغوط نفسية حول هذا الموضوع. كما أنَّ التبرعات تعتبر سرية وتبقى محصورة بين الفرد المتبرع أو العائلة وبين أمين صندوق المؤسسة التي تمَّ التبرع لها.

يعتبر البهائيون فرصة التبرع للصناديق البهائية ميزة روحانية اختصت بالذين آمنوا بحضرة بهاء الله. وبالتالي لا يقبل أي تبرع للصناديق الأمرية من الذين لم يسجلوا كبهائيين. وقد يحدث أحيانًا أن يتبرع بعض غير البهائيين للمحافل الروحانية نتيجة لإعجابهم ببعض برامج الجامعة البهائية، ففي هذه الحالة ينصح المتبرع بتقديم تبرعه للخيرية العامة في بلده. أمَّا إذا لم يعرف مصدر التبرعات فتقدمها المؤسسة البهائية للخيرية العامة في الدولة. أمَّا المشاريع التي تخدم الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية للمجتمع، فيمكن للمؤسسات البهائية على وجه العموم أن تقبل وتستفيد من مصادر مالية غير بهائية ذلك لأنَّ هذا الإجراء يزيد من إحساس الفرد بهويته ومسئوليته الشخصية تجاه الأعمال التي تعهدت الجالية بتنفيذها(1).

إنَّ إدارة شئون الجامعة البهائية من شأنها أيضًا أن تمنح الأفراد

فرصًا عديدة للاستجابة لدعوة الخدمة. إنَّ أوَّل ما يجذب المؤمن الجديد هو أنَّ الدين البهائي هو دين متفتح وعام ولا يختص بطبقة أو فئة معينة وإنَّه قد أنضم إلى جامعة وليس إلى اجتماع ديني خاص، وما يؤديه أعضاء الجامعة ليس مجرد الخدمة المتواضعة فقط وإنَّما هم أيضًا مسئولون مسئولية كاملة في عملية اتخاذ القرار والتخطيط والخدمة بصفتهم ممثلين رسميين عن الجامعة.

إنَّ الأعضاء الجدد في الجامعة يدركون بسرعة بأنَّ دينهم الذي اعتنقوه هو في مرحلة التكوين. كما أنَّ هناك مجالاً واسعًا لاكتساب الخبرة والتجربة وتطوير الجامعة طبقًا للآثار والنصوص البهائية وفي ظل هداية بيت العدل الأعظم المستمرة، وهناك أيضًا حاجة ماسة لهذه الخبرة والتجربة للتأكيد على أنَّ الجامعة التي تتطور بسرعة قادرة على تحقيق أهدافها الطموحة. وإذا كانت للمؤمن الجديد مواهب وقدرات معينة فيمكن الاستفادة منها. وقد يطلب منه أو منها تعليم الأطفال أو إعداد مقال للنشر أو تمثيل الجالية في مجلس البلدية أو المدينة أو في لجنة حكومية أو عقد ضيافة تسع عشرية أو المساعدة في إعداد مؤتمر إقليمي أو المشاركة في برنامج موسيقي أو مسرحي أو إدارة مشروع أو عرض معين أو طباعة مراسلات أو المساعدة على مسك الدفاتر وإعداد مكتبة صغيرة أو أي نشاط آخر من أنشطة الجامعة. وقد يتساءل البعض: لماذا نحن لا نعمل هذا أو ذاك؟ فغالبًا ما يكون الجواب هو عدم توفر من لديه الوقت والقدرة على إنجاز ذلك.

من الخصائص المميزة للجامعة البهائية وجود حياة اجتماعية نشطة بها. ففي الفصل الثامن من الكتاب أشير إلى الضيافة التسع عشرية

باعتبارها القاعدة لحياة الجامعة البهائية الاجتماعية على المستوى المحلي، والأهمية التي تكنّها الآثار البهائية لهذا الاجتماع من جميع الجوانب. كما أنَّ المؤتمر السنوي المركزي والإقليمي يعتبران من الفرص المناسبة للمشورة والبحث حول شئون وشجون الجالية ويكون المجال مفتوحا بشكل كبير لتعارف الأحباء وتقاربهم في المنطقة أو البلد.

بالإضافة إلى ذلك يمكن للجامعة أن ترتب عقد مؤتمرات متنوعة. فكل خطة تبليغية عالمية تتطلب عقد عدة مؤتمرات عالمية في مراكز رئيسية، وتكون غاصة بحضور البهائيين الذين يأتون من أماكن متعددة من العالم لقضاء ثلاثة إلى خمسة أيام للاحتفال بآخر الانتصارات التبليغية ودراسة آخر المستجدات والاحتياجات والحصول على أحدث المطبوعات والوسائل السمعية والبصرية وما يساعد على تطوير الجامعة. ويكون حضرات أيادي أمر الله المتحدثين الرئيسيين (راجع الفصل الثامن) في هذه المؤتمرات إلى جانب الباحثين البهائيين في مجالات مختلفة. كما أنَّ هذه المؤتمرات تعطي البهائيين فرصة لعرض تلك الثقافات المتنوعة الممثلة في العالم البهائي وذلك بتقديم الفنون التمثيلية والموسيقية وعروض أخرى فنية(1).

مثل هذا الأسلوب يجرى تطبيقه حيثما تسمح الإمكانات مركزيًا وإقليميًا. ويستفيد البهائيون من مثل هذه الفرص العابرة -نتيجة لذلك- في التعرف على بعضهم البعض. وأحداث متنقلة كهذه تفضي إلى مزيد من تعرّف الأحباء على عادات وأنماط اجتماعية سائدة في

مجتمعات أخرى. ودون شك فإنَّها ستمنح الكثير منهم فرصة للتبليغ غير الرسمي للأمر المبارك وإمكانية جعل مشروع معين للهجرة أكثر جاذبية وأقل تخوّفًا للفرد والعائلة التي يمكن أن تفكر به.

ليست هناك من مؤسسة بهائية يمكن لها أن تساهم في إثراء القيم الروحانية والاجتماعية للأحباء أكثر من زيارة العتبات المقدسة. تشجع التعاليم البهائية كل فرد مؤمن بأن يحاول ولو مرة واحدة في حياته بزيارة المركز العالمي البهائي في حيفا لمدة تسعة أيام. ومع ازدياد عدد الراغبين في الزيارة تزداد فترة الانتظار بشكل كبير.

تعتبر زيارة العتبات المقدسة نقطة بارزة وهامة في حياة أي شخص بهائي. حيث يصل الفرد مدينة حيفا ضمن مجموعة تضم حوالي ثمانين شخصًا من مختلف أنحاء العالم. وتقضي المجموعة تسعة أيام في زيارة الأماكن المقدسة داخل حيفا وعكاء وحولهما، وفي مقام حضرة بهاء الله وحضرة الباب وحضرة عبد البهاء يقوم الأحباء بالتضرع والابتهال سواء بشكل فردي أو جماعي. كما يمكن لهم زيارة المنازل التي أقام فيها مؤسس دينهم خلال رحلة نفيه وسجنه في الأراضي المقدسة وأيضًا يصرف جزء من يومهم لزيارة المبنى الرائع لدار الآثار العالمية الذي يحتوي على الكتابات البهائية الأصلية، كما يمكن مشاهدة آثارًا عينية مباركة للشخصيات الرئيسية للدين وبعض ما يرمز إلى ذكرى الأبطال والشهداء الأوائل للظهور البهائي والبابي. كما يمكن مشاهدة الصور المباركة لحضرة الباب وجمال القدم (بهاء الله) الموضوعة في مكان خاص وهي غير منتشرة ومتداولة بين الناس(1).

إنَّ العلاقات الحميمة غير الرسمية التي تقوي أواصر الوحدة داخل الجامعة البهائية في هذه المرحلة الأولى من مراحل نموها يتم تعزيزها ودعمها بواسطة استقبال بيت العدل الأعظم لكل مجموعة من الزائرين كما تتاح الفرصة لأفراد المؤمنين التعرف عن قرب وبشكل غير رسمي بأعضاء هذه الهيئة العليا للدين البهائي.

وبالنسبة للزائرين فإنَّ زيارتهم للمركز العالمي تعتبر تجربة فريدة من نوعها وعظيمة. كما يعتقد البهائيون بأنَّ هذه الزيارة تعتبر من جوانب متعددة وسيلة للتقرب للعوالم الإﻟﻬﻴﺔ. وعلى حد قول أحد الكتاب البهائيين الكبار جورج تاونزند، وهو رئيس سابق لأساقفة الكنيسة الإنجليزيـة بأنَّ ظهور ومرور رب العالميـن قد تجلَّى فـي ظهور حضرة الباب وحضرة بهاء الله. وفي مدينتي حيفا وعكاء يتشرف الأحباء بزيارة المراقد الشريفة لهذه النفوس المقدسة وتكون هذه التجربة وسيلة لتركيز فكر وفؤاد الفرد على الحقائق الجوهرية للظهور البهائي.

إنَّ زيارة المقامات المقدسة لهي فرصة مناسبة للزائرين لإثراء إدراكهم من الناحية الاجتماعية بتلك الجامعة العالمية التي ينتمون إليها. إنَّ قضاء تسعة أيام في اتصال قريب مع أفراد من مختلف الثقافات والحضارات هي فرصة لا تتكرر إلاَّ مع عدد قليل من الناس في مجتمعنا المعاصر. إنَّ هذا التقارب بين أعضاء الجامعة يؤدي إلى تبادل الذكريات فيما بينهم فيما يتعلق بالتاريخ المليء بالمآسي والمصائب والزاخر بالتضحيات والانتصارات التي تجسد مفهوم






= البهائي العالمي.

"الأسرة العالمية" التي أتى بها حضرة بهاء الله. كما أنَّ زيارة المركز البهائي العالمي تعتبر فرصة للبهائيين بأن يأخذوا على عاتقهم القيام برحلة تبليغية في منطقة أخرى من العالم ولزيارة الأحباء المهاجرين في مناطق مختلفة وبحث إمكانية طرح مثل هذه المشاريع بأنفسهم.

أعطى حضرة بهاء الله أهمية كبيرة على تعليم العلوم والفنون كجزء من التنمية الروحية والأخلاقية للإنسان. ولا يكتفي البهائيون بإيجاد أحسن تعليم ممكـن لأولادهم فحسب، بل إلى الاستفادة من الفرص التعليمية الممكنة في المجتمع من أجل التنمية والتطوير المستمر لهم. وفي هذا الخصوص يقول حضرة بهاء الله:

"العلم بمثابة جناح للوجود ومرقاة لصعود الإنسان يلزم على الجميع تحصيله، ولكن العلوم التي ينتفع بها أهل الأرض وليست العلوم التي تبدأ بالكلام وتنتهي بالكلام. فأصحاب العلوم والصنايع لهم حق عظيم على شعوب العالم(1)".

أخذت الجامعة البهائية في إيران منذ ولادتها هذا الأمر على محمل الجد. ونتيجة لذلك وبعد مضي ثلاثة أو أربعة أجيال وصلت الجامعة إلى مستوى تعتبر نسبة المتعلمين فيها نسبة عالمية قياسًا بالطبقة المثقفة في إيران في الوقت الحاضر، علمًا بأن عدد البهائيين في إيران حوالي ثلاثمائة ألف شخص(2). ففي بلد يقدر عدد المتعلمين فيه أقل من

40% تتمتع الجامعة البهائية بمعدل تعليم يفوق عن 90% من إجمالي أعضائها.

اتبع البهائيون في العالم النموذج الإيراني في المدى الذي تذهب إليه إمكانية كل جامعة محلية. ومن المهام المتعددة التي عينتها خطط التبليغ العالمية وأوكلتها للمحافل الروحانية المحلية والمركزية هو مساعدة الشباب البهائي في تخطيط تعليمهم حتى يكونوا في المستقبل وسيلة لخدمة دينهم والجنس البشري([55]). وتعكف العديد من المدارس الصيفية والشتوية البهائية على إعداد برامج على هذا النسق، حيث تتم دعوة متحدثين أجلاء ومقتدرين لإدارة دورات خاصة بالعلوم الحديثة وعلاقتها بالتعاليم والمبادئ البهائية. فالنجاح الذي وصل إليه بعض العلماء في اتفاق العلم والدين في حياتهم الفكرية سيشجع دون شك الشباب البهائي في أن يحذوا حذوهم(2).

وفي المناطق التي تفتقر إلى المدارس العامة فإنَّ الجاليات البهائية المحلية تبدأ بطرح برامج تعليمية خاصة بها وبالذات على المستوى الابتدائي. ففي الهند قام المحفل الروحاني المركزي بإدارة عدة

مدارس بهائية بدوام كامل حيث تطرح هذه المدارس برامج على المستوى الابتدائي والثانوي والتدريب الفني. ومن الأنشطة الرئيسية للعديد من الجامعات البهائية المركزية طرح برامج بالمراسلة للأطفال والشباب والكبار. وخلال الخطة العالمية الأخيرة (الثلاث سنوات) قام سبعة وثلاثون محفلاً روحانيًا مركزيًا بطرح برامج مشابهة.

ومن مجالات الثقافة التي أشير إليها باهتمام منذ الأيام الأولى للتاريخ البهائي هي الفنون الجميلة. وقد أشار حضرة بهاء الله إلى الفن باعتباره نوعًا من العبادة. أمَّا الجمال الظاهري للمقامات والمعابد والحدائق البهائية فهو الانطباع الذي يجذب نظر الزائر للعتبات والمقامات المتبركة. أكد حضرة شوقي أفندي بأنَّ ظهور ما يمكن أن نسميّه "الفن البهائي" قد يستغرق عدة قرون وذلك عندما يكون الأمر الإﻟﻬﻲ قد تفتح على شكل حضارة جديدة تظهر لنا فنًا جديدًا قد تبرز خصائصها الممّيزة. وفي نفس الوقت ودون أي شك، فإنَّ الأعمال الفنية التي قام بها الفنانون البهائيون المعاصرون يمكن اعتبارها قد تأثرت بدعوة حضرة بهاء الله للوحدة والاتحاد والأخوة والانفتاح والتفاؤل. قال الفنان البهائي مارك توبي:Mark Tobey وهو أحد الرسامين المشهورين في القرن العشرين، حول تأثير ذلك على أعماله:

"إنَّ دين بهاء الله العالمي، والذي فيه سيحمل الإنسان أشهى ثمرة لتطوره، يتحّداه ويدعوه إلى رؤية نور هذا اليوم على أنَّه وحدة الحياة بأكملها، ويطهّره من كثير مما ورثه تلقائيًا من بيئته، ويتغلغل داخل النفس البشريـة ليكّون لديها تلك الرؤيـة الضرورية للحياة. فتعاليم بهاء الله هي النور الذي يضيء لنا طريق النمو والتكامل(1)".

أمَّا بالنسبة إلى العلاقة بين الفن والحضارة العالمية في المستقبل فقد أضاف توبي قائلاً: "بالطبع نتحدث اليوم عن أنماط قومية، إلاَّ إنني أعتقد أنَّنا سنتحدث لاحقًا عن أنماط عالمية… إنَّ مستقبل العالم يجب أن يكون قائمًا على إدراكه لمبدأ وحدته الذي هو مبدأ رئيسي كما أفهمه في الدين البهائي ومن تلك الوحدة ستنبعث روح جديدة في الفن لأنَّه لا سبيل سوى ذلك. إنَّها روح وليست مجرد كلمات أو أفكار جديدة.

وبالمثل تأثر الموسيقيون البهائيون من ذلك. وحقيقة الأمر، فإنَّ حضرة عبد البهاء قد أعار اهتمامًا كبيرًا إلى تشجيع الجاليات البهائية للإفادة من الأفراد الذين يتمتعون بمواهب موسيقية، يقول حضرة عبد البهاء:

"إن الموسيقى فن سماوي ومؤثر، إنَّها غذاء للنفس، ومن خلال قوة وجمال الموسيقى ينتعش روح الإنسان. كما أنَّ له تأثير ونفوذ رائع على قلوب الأطفال لأنَّ قلوبهم صافية ورقيقة. إنَّ المواهب الكامنة في نفـوس هؤلاء الأطفال يمكن لها أن تبرز بفضل الموسيقى. ولهذا عليكم أن تبذلوا الجهد لكي يصبحوا ماهرين. علّموهم أن يغّنوا بكل إتقان وإحساس، ويجب على كل طفل أن يعرف شيئًا عن الموسيقى".

ما ذكر حتى الآن كان بعض خصائص ومميزات حياة الجامعة البهائية التي ورثت هذا الميراث العظيم من التاريخ والمؤسسات الإدارية التي أفاض علينا بها حضرة بهاء الله. لقد تأسس كل ذلك




= في كتاب The Bahل'ي World الجزء 16 ص683. كما أن مارك توبي كان السبب في جذب فنان عالمي آخر إلى البهائية وهو برنارد ليش.

عمليًا في كل دولة وإقليم على بسيط الغبراء، ويمثل أفرادًا من شتى أنواع الجنس البشري وهم مخلصون للمهمة التي أنيطت بحضرة عبد البهاء باعتباره "الفاتح الروحي للكرة الأرضية". إنَّ عملية التوسع لهذه الجامعة تستدعي من أعضائها المشاركة المتنوعة والتفاعل الاجتماعي والتطور الفردي. إنَّ هذا التفاعل وما ينتج عنه من نمو روحي يخلق وعيًا "بالأسرة العالمية"، ويعطي الجامعة هوية تميّزها عن التقاليد الدينية الأخرى.

يرى البهائيون أنَّ جامعتهم ليست مجرد تجمّع يضم أفرادًا وإنَّما جامعة متطورة ومتنامية. يلاحظ بأنَّ الكلمات التي استخدمها حضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي في شرحهم وتفسيرهم للآثار المباركة هي كلمات تستخدم في علم الأحياء مثل: "تفتح" و"تكامل" و"جرثومة" و"نمو عضوي" و"نواة" و"قوة محركة" و"امتصاص" و"استيعاب". ولهذا يمكن تشجيع البهائيين بأن يروا أنفسهم كأجزاء من كائن حيوي نام تتكون أجهزته الحياتية من الأحكام والتعالم والمؤسسات التي أتى بها حضرة بهاء الله. وقد أكد بيت العدل الأعظم بأنَّ تطوير قدرات الأفراد والتعّرف بصورة أشمل على التعاليم البهائية يعتمد على مدى استطاعة الإنسان على المشاركة بشكل كامل في حياة الجامعة. جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

"إنَّ كل خلية وكل عضو وكل عصب في جسم الإنسان له الدور الذي يؤديه. وعندما تعمل جميع هذه المكونات يتمتع الجسم بالصحة والنشاط والإشراق ويغدو متجاوبًا مع أي مطلب. ولا يمكن لأي خلية مهما كانت بسيطة أن تعيش بعيدًا عن الجسم مؤدية أو متلقية لخدماته. ويصدق هذا الأمر على الجنس البشري برّمته الذي’وهب الله كل

مخلوق فيه مهما كان صغيرًا قدرة وموهبة‘ ويصدق أيضًا على جسم الجامعة البهائية العالمية التي تعتبر منظمة متحدة في طموحاتها وأنظمتها، وتنشد العون والتأييد من منبع واحد ومؤمنة بالإحساس اليقين بوحدتها… إنَّ الجامعة البهائية العالمية تنمو مثل الجسم الصحي الجديد حيث تنمو فيها خلايا جديدة وأعضاء جدد وتبرز وظائف وقوى جديدة مع وصولها لمرحلة البلوغ، وعندما يجعل المرء محور حياته دين الله فإنَّه سيفيض عليه بالصحة والتأييد وعنايات حضرة بهاء الله الدافقة التي ملأت الآفاق من خلال نظامه الإﻟﻬﻲ المقدّر(1)".

_________________



امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اجيبوني ارجوكم

مُساهمة  اقبال اللامي في الخميس نوفمبر 22, 2012 2:35 pm

ما اسم زعيمكم الروحي ؟ان كل ذائفه بالعالم لديها زعيم من هو ولي امركم بعد شوقي افندي الرجل مات نريد معرفة اسم الحي او الاحياء لو سمحتم وادا كانت هيئه فمن هم ؟ مااسم رئيس هده الهيئه لو سمحتم اجيبوني ارجوكم من ادخلكم الى هيئة الامم المتحده ومن انتم حتى تناقشو المواضيع المختلفه بالعالم وتشاركو الامم المتحده في اجتماعاتها وشكرا
avatar
اقبال اللامي

عدد المساهمات : 148
تاريخ التسجيل : 10/11/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى