الجذء الثانى من ( النظام العالمى الذى دعى إليه حضرة بهاء الله )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجذء الثانى من ( النظام العالمى الذى دعى إليه حضرة بهاء الله )

مُساهمة  امال رياض في السبت أكتوبر 15, 2011 3:35 pm

إنَّ نموذج حياة حضرة عبد البهاء يبّين أهمية ومدى إمكانية تطبيق تعاليم حضرة بهاء الله في الحياة الروحية للأفراد وتطورها. وعلى أي حال لا يعتبر حضرة عبد البهاء رسولاً آخر أو مبعوثًا سماويًا مثل حضرة الباب وحضرة بهاء الله. فسلطة الرسول مستمدة مباشرة من الله العلي القدير وتكون جزءًا من قدراته الروحية، ولكن السلطة والصلاحية التي أعطيت لحضرة عبد البهاء جاءت من حضرة بهاء الله مباشرة. ومع ذلك يعتبر البهائيون حضرة عبد البهاء نموذجًا فريدًا ورائدًا ومثلاً أعلى لتطبيق التعاليم والمبادئ البهائية، وقد وصفه حضرة شوقي أفندي بالعبارات التالية:

إنَّه يمثل دومًا في المقام الأول والرئيسي محور ومركز عهد حضرة بهاء الله الفذ والذي لا نظير له، كما أنَّه أسمى ما صنعته يد عنايته، والمرآة الصافية التي يتجلى فيها نوره، والمثل الكامل لتعاليمه، والمفسر المصون عن الخطأ لكلماته وآياته، والجامع لجميع الصفات والأخلاق البهائية. وقد امتزجت في شخصيته، الصفات البشرية المختلفة مع الفضائل والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ بشكل متلائم تمامًا([45])".

إنَّ الإيمان الراسخ بإمكانيّة تحقيق الوحدة العالميّة مدعومًا بالإرادة والعزيمة للعمل تجاه هذا الهدف يمكن اعتباره من أكثر صفات الجامعة البهائيّة تميّزًا، ويعد من الفروق الواضحة بين هذا الدين والأديان السابقة. وطبقًا للتعاليم الروحية والمبادئ الأساسية للدين البهائي فإنَّ هناك أوجه تقارب مع الأديان المعروفة وبالذات الأديان الساميّة مثل اليهودية والمسيحية والإسلام. إنَّ قناعة البهائية في الوصول إلى الوحدة العالمية ووحدة الحضارة نابع من الإيمان بميثاق حضرة بهاء الله وهو أمر فريد وحديث. وبالنسبة إلى إمكانية تحقيق الوحدة والحضارة العالمية يقول الدكتور وارن واغر وهو أستاذ امريكي في علم الاجتماع ما يلي:
من بين جميع الأديان المعاصرة التي تدعي أنَّها سماوية فإنَّ الدين البهائي هو الدين الوحيد الذي انفرد بالحديث عن وحدة الجنس البشري بكل وضوح وتركيز" أمَّا الميثاق الخاص الذي أبرمه حضرة بهاء الله مع البشرية فإنّه يعمل من خلال نظام يطلق عليه النظام الإداري. وقد سبق أن لاحظنا أنَّ تعاليم وآثار حضرة بهاء الله تضم مختلف المواضيع، ومن ضمنها المفاهيم الرئيسية للإيمان والعرفان والمبادئ والنصائح التي وجهها للبشرية والأحكام والقوانين التي اعتبرها أمرًا ضروريًا للتطور الشخصي وللمنظمات الاجتماعية، كما أشار أيضًا إلى مؤسسات معينة واعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الظهور البهائي ولا يمكن استبعادها عن التعاليم الروحانية.
وعلى ذلك فإنَّ النظام الإداري البهائي يتكون من أحكام وتعاليم من جهة، ومؤسسات تقع ضمن الجامعة البهائية من جهة أخرى، وهذا النظام الإداري يعتبر في الواقع تعبيرًا أساسيًا للعهد الخاص الذي جاء به حضرة بهاء الله للجنس البشري. ومن الخصائص المميزة للعهد الخاص في الحقيقة هو أنَّ حضرة بهاء الله حدد الأحكام والمؤسسات التي يجب أن تحكم شئون الجامعة وأعضائها عبر التاريخ. علاوة على ذلك شرح حضرته في آثاره المقدسة المذيّلة بختمه وتوقيعه طبيعة كل مؤسسة من هذه المؤسسات بما فيه حدود اختصاصاتها وامتيازاتها ووظائفها ودورها. أمَّا قاعدة هذا النظام فقد وضعها حضرة عبد البهاء وحضرة ولي أمر الله حيث أعطيت لهما مطلق الصلاحية من قبل حضرة بهاء الله.

إنَّ المؤسّستين الرئيسيتين للنظام الإداري اللتين وصفهما حضرة شوقي أفندي أنهما أعمدة هذا النظام هما مؤسسة ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم. أمَّا وظيفة ولي الأمر وطبيعة السلطة المخوّلة له فقد تمَّ بحثها في فصل سابق. وبالرغم من أنَّ حضرة ولي أمر الله ليس على قيد الحياة حاليًا فإنَّ تفسيره وتبيينه للتعاليم البهائية له نفس الرتبة والمنزلة للجامعة البهائية كتلك التي كانت أثناء حياته. أوجد حضرة بهاء الله بنفسه مؤسسة بيت العدل الأعظم واعتبرها أعلى هيئة تشريعية في النظام الإداري البهائي. وبالنسبة للعلاقة بين مؤسسة ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم فقد جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

يجب أن يكون مفهومًا… بأنَّ أي تشريع حول أي موضوع يحظى بدراسة دقيقة ومكثفة وشاملة من قبل بيت العدل الأعظم للنصوص
المقدَّسة وآثار حضرة شوقي أفندي حول ذلك الموضوع. فالتفاسير والتوضيحات التي جاءت في كتابات حضرة ولي أمر الله تغطي مدى واسعًا من المواضيع وهي ملزمة بنفس درجة النصوص المقدسة([46])".

أطلق حضرة بهاء الله لقب "بيوت العدل" على المؤسسات التشريعية الرئيسية لدينه. يتكون بيت العدل من تسعة أفراد بالغين ينتخبون بصفة دورية بواسطة جميع الأفراد البالغين في الجامعة البهائية. وتتأسس بيوت العدل على ثلاثة مستويات: المستوى الأول: محلي ونطاق إدارته طبقًا لتنظيمات البلديات أو المحافظات. والمستوى الثاني وعادة ما يكون على مستوى مركزي. والمستوى الثالث عالمي. واليوم ظهرت مؤسسة بيت العدل الأعظم على المستوى العالمي فقط وذلك عن طريق انتخاب بيت العدل الأعظم وقد أجريت أول انتخابات له في مؤتمر عالمي عقد في عام 1963م. إنّها مؤسسة تدير شئون الجامعة البهائية في شتى أنحاء العالم، وهي الهيئة التشريعية الوحيدة للدين البهائي. وطبقًا للنصوص الواضحة والصريحة الصادرة من حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء فإنَّ القوانين التي يسّنها ويصدرها بيت العدل الأعظم لها نفس سلطة وصلاحية النصوص المباركة. والفرق الوحيد هو أنَّ بيت العدل الأعظم له الحق في إلغاء ونسخ وتعديل القوانين التي يصدرها نظرًا لتطور ونمو الجامعة البهائية ومستجدات الحياة، أما الحدود والأحكام المذكورة صراحة في الآثار المباركة فليس لبيت العدل الأعظم صلاحية تعديلها أو تغييرها.
إنَّ إدارة شئون الجامعة البهائية على المستوى المحلي والمركزي تقوم بها محافل روحانية محلية ومركزية. أما انتخاب وعمل هذه المؤسسات فهو شبيه ببيت العدل الأعظم وسيطلق عليها في المستقبل اسم بيوت العدل المحلية والخصوصية.

يؤمن البهائيون بأنَّ بيوت العدل المحلية والخصوصية هي تحت الهداية الإﻟﻬﻴﺔ أما قرارات بيت العدل الأعظم فهي ملهمة ومعصومة عن الخطأ وواجبة التنفيذ وأنَّ هذه المؤسسة بالنسبة لهم تمثل ذروة مجهود الجنس البشري في التقرب إلى الله بروح من الوحدة والأخوة. وقد أخبرنا حضرة بهاء الله بأنَّ الخالق عز وجل قد جعل هذا الأمر ممكنًا، وسيجعل قرارات بيت العدل الأعظم معصومة من الخطأ(1).
هناك أيضًا مؤسسات بهائية على المستويات القارية والمركزية والإقليمية والمحلية، بعضها ينتخب انتخابًا وتعمل من خلال المشورة الجماعية واتخاذ القرار الجماعي والبعض الآخر وجد بالتعيين ويعمل أساسًا من خلال الخدمات التي يؤديها أعضاء هذه المؤسسات. وسنتحدث عن هذا النظام بإسهاب في الفصل التالي.
إنَّ نظام المؤسسات في الدين البهائي يمثل جزءًا لا يتجزأ منه ولا يمكن فصله عن المبادئ والتعاليم الروحانية النقية. ويؤمن البهائيون بأنَّ نظامهم الإداري بمثابة الجنين ونظام اجتماعي جديد مقدّر له أن يحقق وحدة الجنس البشري. وحول هذا النظام يقول حضرة شوقي أفندي: هذا النظام الإداري يختلف أساسًا عما جاء به الأنبياء السلف لأنَّ حضرة بهاء الله بنفسه وضع مبادئه وأسّس مؤسساته وعيّن الشخص المخّول بتفسير وتبيّين كلماته ومنح السلطات الضرورية لهيئة (بيت العدل الأعظم) المقدّر له أنْ يكملّ ويطبق أحكامه التشريعية(1)".

إنَّه من الأهمية بمكان أن نميّز بكل وضوح الفرق بين النظام الإداري البهائي وبين النظام العالمي المستقبلي الذي تصّوره حضرة بهاء الله. بالنسبة للنظام العالمي، يؤمن البهائيون بأنَّ تعاليم مؤسسي دينهم لها تأثيرها التام على تأسيس حكومة عالمية وعلى السلام الدائم وإيجاد الحضارة العالمية الموحّدة. فهذا النظام العالمي بالطبع لم يتأسس بعد وإنَّما هو الهدف الذي تسعى إليه الجامعة البهائية. إلاَّ أنَّ المؤسسات الرئيسية للنظام الإداري قد تأسست بالفعل وتعمل جزءًا مكملاً للجامعة البهائية العالمية.

أوجز لنا حضرة شوقي أفندي نظرة حضرة بهاء الله في النظام العالمي للمستقبل في البيانات التالية:

إنَّ وحدة البشر كما رسمها بهاء الله تعني تأسيس حكومة عالمية تتّحد فيها اتحادًا ثابتًا وثيقًا كافة الأمم والمذاهب والأجناس والطبقات فيها، وتكون الحقوق الذاتية للحكومات المكونة لأعضائها مكفولة تمامًا، والحرية الشخصية لممثلي هذه الحكومة العالمية وتوقيعاتهم تكون محترمة نافذة. هذه الحكومة العالمية بقدر ما نستطيع تصويرها يجب أن تشتمل على هيئة تشريعية عالمية يكون أعضاؤها وكلاء عن جميع الجنس البشري وأن يكون لها الإشراف التام على موارد كافة الأمم التي تتكون منها، وأن تشّرع من القوانين ما تتطلبه نواحي الإصلاح وسد مطالب الأجناس والشعوب وتصحيح العلاقات فيما بينها، وعلى هيئة تنفيذية مؤيدة بقوة عالمية وظيفتها تنفيذ القرارات وتطبيق القوانين التي تضعها الهيئة التشريعية والمحافظة على هيكل وحدة الحكومة العالمية، وعلى محكمة عالمية تتولى الفصل والحكم النافذ البات في كل نزاع ينشأ بين العناصر المختلفة المكونة لهذا النظام العام. وبجانب هذا يجب تنظيم مركز مواصلات عالمي وتخصيص جهاز للتخاطب مع كل جزء من أجزاء الأرض ويكون بعيدًا عن كل تأثير وقيد قومي ويعمل بسرعة وكفاية تامة، وإعداد مقر عام يكون المركز النابض لمدنية عالمية تتركز حوله كل عناصر التوحيد في الحياة ومنه تنبعث أنوار آثاره المنشطة، والاتفاق على لغة عامة تبتكر أو تختار من بين اللغات الحالية تدرس في جميع مدارس الأمم المتحدة وتكون بمثابة لغة مساعدة بجانب اللغات القومية، وتنوع عالمي من حروف الطباعة والأدبيات، وشكل ونظام عالمي للعملة والموازين والمكاييل والمقاييس، كل ذلك من شأنه أن يسهل أسباب التعامل والتفاهم بين شعوب العالم وأجناسه… أما الثورات القومية والعداوات والفتن فإنها تتوقف، ويتبدل العداء العنصري والتعصب بالوفاق والتفاهم والتعاون، وتنعدم نهائيًا أسباب المشاحنات الدينية وترتفع الحواجز والقيود الاقتصادية، ويختفي التمييّز بين الطبقات…(1)".

يؤمن البهائيون بأنَّ النظام العالمي لا يمكن تحقيقه بفضل جهودهم الفردية أو لأنَّ دينهم ينص على ذلك، بل بأنَّ الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ تعمل بطرق عدّة وعلى مستويات مختلفة وفي شتى بقاع العالم ومن خلال جميع فئات البشر لتحقيق هذا الهدف العظيم المنشود. ويرون في تأسيس عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة خطوات هامة وعملية نحو اتحاد الأمم. ولذلك نرى الكثير من البهائيين شركاء نشطين في فعاليات هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة كما الأمر في العديد من المنظمات العالمية غير السياسية. رائدهم في ذلك بأنَّ دينهم ونظامه الإداري لهما الدور الأساسي والحيوي في عملية خلق عالم موَّحد.

ولمساعدتنا في تفهّم كيف ينظر البهائيون إلى العلاقة بين دينهم ونظامه الإداري من جهة وهدف تحقيق السلام العالمي وتأسيس النظام العالمي من جهة أخرى يجدر بنا أن نعيد إلى الأذهان بأنَّهم يربطون الحضارة العالمية المستقبلية بالعصر الألفي السعيد أو تأسيس "ملكوت الله" المذكور في الكتب المقدسة للأديان الأخرى. فالبهائيون يعتقدون بأنَّ تأسيس السلام والاتحاد العالمي يعني تأسيس ملكوت الله على الأرض وهو ما يرمز إلى النصر النهائي للخير على الشر كما تنبأت به جميع الأديان السابقة وأشارت إليه بشكل رمزي. ويعتقدون أيضًا أنَّ تأسيس هذا النظام العالمي إنَّما هو تجسيد لإرادة الله وعنايته عبر تاريخ الجنس البشري. جاء في بعض التقاليد والأعراف الدينية بأنَّ تأسيس ملكوت الله يرتبط فقط بالإرادة الإلهية وأنَّ دور الإنسان في هذه العملية سلبي في الأصل، وأنَّ ظهور الملكوت وتأسيسه سيكون بصورة مفاجئة وبشكل سحري وغير طبيعي(1).

إنَّ البهائيين يؤمنون بأنَّ الله قوي وقدير وهو بالتأكيد يستطيع تحقيق ملكوته على بسيط الغبراء فورًا إن شاءت إرادته، إلاّ أنَّ حضرة بهاء الله شرح لنا بأنَّ الله يريد أن يعلّمنا دروسًا محددة كيف يمكن تأسيس ملكوته. ويعتبر البهائيون المجتمعات في عالمنا المعاصر غير قادرة على تلبية احتياجاتنا الفعلية لأنَّ هذه المجتمعات تعمل وتطبق شرائع مغايرة لشرع الله. وفي الوقت الذي يؤسس فيه الله ملكوته على الأرض فإنَّه يعطي لنا مجال التعلم من خلال الخبرة والممارسة، وهذه الخبرة تأتي من واقع حياتنـا وما تتمخض عنه نتائج أعمالنا وتجاربنا. كما أشار حضرة بهاء الله بأنَّه فقط من خلال تفكيرنا العميق وإدراكنا لأخطائنا الماضية وقبولنا بها فإننا نحمي أنفسنا من تكرارها المأساوي الذي جرّ العالم إلى ما هو عليه من أخطار الحروب المستمرة وما تحمله لنا من معاناة واستغلال ويأس([47]).

وضع حضرة بهاء الله تصورًّا لتأسيس النظام العالمي على ثلاث مراحل متعاقبة. المرحلة الأولى هي مرحلة الانحلال الاجتماعي واتساع مدى المعاناة التي ستفوق مثيلاتها في السابق اتساعًا وشمولية. ويعتقد البهائيون بأنَّ هذه المرحلة قد بدأت وتفاقمت وأنَّ الأزمات التي تحيط بالعالم ستصيب حياة كل إنسان وكل مؤسسة اجتماعية. وقد ذكر حضرة شوقي أفندي في توقيعه "قد أتى اليوم الموعود"The Promised Day Is Come بأنَّ معاناة البشرية هذه تعتبر "محنة جزائية" و" قصاصًا إلهيًّا عادلاً من جانب الحق تبارك وتعالى في آن واحد حيث قال حضرته:

من جهة، فإنَّ هذه المحن والمآسي عقاب إﻟﻬﻲ وعملية تطهير لعموم الجنس البشري، فنارها تعاقب العالم على عناده وفساده وضلاله وتعمل على تلاحم أعضائه في جامعة عالمية واحدة غير مجزأة. فالإنسانية، في هذه السنين من مصيرها الحاسم… مدعوة في الوقت نفسه أن تستعرض ما ارتكبته في الماضي وأن تطّهر نفسها وتستعد لمهمّتها المستقبلية. فلا يجوز لها أنْ تتهرب من مسئولياتها الماضية أو أن تتجاهل وظائفها المستقبلية(1)". وطبقًا للعقيدة البهائية فإنَّ الفترة الحالية من المعاناة والصعاب ستبلغ ذروتها في شكل اضطرابات روحية وجسدية واجتماعية وعلى مستوى العالم. هذه الأزمات تشير إلى نهاية المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الإﻟﻬﻴﺔ. أشار حضرة بهاء الله إلى تلك الأزمات بما يلي:

إنَّا قد جعلنا ميقاتًا لكم فإذا تمَّت الميقات وما أقبلتم إلى الله ليأخذنكم عن كل الجهات ويرسل عليكم نفحات العذاب عن كل الأشطار وكان عذاب ربك لشديد([48])". المرحلة الثانية من تقدم البشرية نحو النظام العالمي يمكن ملاحظتها من خلال تحقق "السلام الأصغر" أو "الصلح الأصغر". وعلى ضوء البيانات الواردة في الكتابات البهائية يمكن القول بأنَّ المرحلة الثانية هذه يمكن اعتبارها توقفًا مستمرًا للحروب أكثر منه من سلام دائم شامل وعالمي. فالسلام الأصغر هو اصطلاح لوصف السلام أو التقارب السياسي الذي ستصل إليه شعوب العالم من خلال الاتفاقيات الدولية. أمَّا المظهر الرئيسي للسلام الأصغر هو وضع إجراءات دولية للأمن الوقائي لوضع حد للحروب بين الدول والشعوب. وسنتطرق إلى تفاصيل هذه الإجراءات اتفاقية رسمية تدعمها كافة شعوب الأرض مبنية على مبدأ "الأمن الجماعي" والتي تنص على أن تهب كافة الأمم جماعيًا لردع أي معتدي. وفي هذا السياق يقول حضرة بهاء الله: "إن قام أحدٌ منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلاَّ عدل مبين(2)".

كما شرح حضرة عبد البهاء هذا الموضوع في البيان التالي:
عليهم - قادة العالم- توقيع معاهدة ملزمة للجميع ووضع ميثاق بنوده محددة، سليمة، وحصينة. وعليهم أن يعلنوا ذلك على العالم أجمع وأن يحرزوا موافقة الجنس البشري بأسره عليه… كما ينبغي تسخير كل قوى البشرية لضمان هذا الميثاق الأعظم ولاستقراره ودوامه. ويعّين هذا الاتفاق الشامل بتمام الوضوح حدود كل دولة من الدول وتخومها، وينص نهائيًا على المبادئ التي تقوم عليها علاقات الحكومات بعضها ببعض ويوثق أيضًا المعاهدات والواجبات الدولية كلها… والمبدأ الأساسي لهذا الاتفاق الرصين يجب أن يكون محددًا بحيث إذا أقدمت أي حكومة فيما بعد على انتهاك أي بند من بنوده هبت في وجهها كل حكومات الأرض وفرضت عليها الخضوع التام، لا بل إنَّ الجنس البشري كله يجب أن يعقد العزم بكل ما أوتي من قوة على دحر تلك الحكومة. فإذا ما اعتمد هذا الدواء الأعظم لعلاج جسم العالم المريض، فلا بد أن يبرأ من أسقامه ويبقى إلى الأبد سليمًا، مطمئنًا، معافىً(1)".

يؤمن البهائيون بأنَّ السلام الأصغر سيتحقق قريبًا بعد نهاية الفترة الحالية من الأزمات والمصاعب والتغييرات الاجتماعية، وإنَّه لاشك في أنَّ هذه المآسي ستكون ذلك المؤثر الرئيسي في الضغط على الأمم والشعوب لوضع حد للحروب مهما كلف الثمن. وقد تنبأ حضرة عبد البهاء بأنَّ السلام الأصغر سيبدأ في الظهور في هذا القرن(2). وما السلام أو الصلح الأصغر ألاَّ مقدمة ضرورية للمرحلة الثالثة من ظهور النظام العالمي وهي مرحلة ستتحقق بالتدريج ودعاها بهاء الله بمرحلة "السلام الأعظم". إنَّ بزوغ هذه المرحلة كما قال حضرته سيتزامن مع ظهور النظام العالمي. أمَّا وصف حضرة شوقي أفندي لهذا النظام المستقبلي فقد ذكر سابقًا في هذا الفصل. وفي موضع آخر تحدث حضرة ولي أمر الله عن هذا النظام بأنَّه "الاندمـاج النهائي لجميع الأجناس والعقائد والطبقات والشعوب". ولكن السلام الأصغر سيتحقق بواسطة "شعوب الأرض الغافلة عن ظهور حضرة بهاء الله والتي تنفـذ مبادئه بصورة لا إرادية". أمَّا السـلام الأعظم فسيتحقـق بعد "الاعتراف بمميزات وأحقية دعوة بهاء الله([49])". وكما يعتقد البهائيون فإنَّه خلال تطور البشرية من مرحلة السلام الأصغر إلى مرحلة السلام الأعظم ستقر الشعوب تمامًا بدعوة حضرة بهاء الله وستقبل بمبادئه وتطبقها غالبية أفراد الجنس البشري.

يمكن اعتبار النظام الإداري البهائي نظام جنيني للنظام العالمي المستقبلي. وطبقًا لما ذكره حضرة شوقي أفندي فإنَّ مؤسسات وقوانين النظام الإداري البهائي مقدّر لها أن تصبح "نموذج للمجتمع المستقبلي، وهذا النموذج يعتبر أداة جيدة لتأسيس السلام الأعظم ووسيلة لوحدة العالم وإعلان العدل والمساواة والخير والرفاهية لعموم البشر(2)". إنَّ رؤية السلام الأعظم يتوافـق مع رؤيا حبقوق فـي التوراة والتي تشير إلى الزمن الذي "سيعّم الأرض العلم الإﻟﻬﻲ وعظمته مثلما يملأ الماء البحر "(سفر حبقوق - أصحاح 2 - آية 14) إنَّه دلالة على "شفاء الشعوب" الموعود في رؤيا يوحنا اللاهوتي بالإنجيل (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي - أصحاح 22 - آية 2). هذا السلام لن يأتي بحضارة عالمية فحسب بل بروحانية تشمل الشعوب والقبائل جمعاء. إنَّه يمثل "قدوم العصر الموعود لكافة أركان الجنس البشري(3)".
كما تحدث حضرة شوقي أفندي عن السلام الأعظم بقوله الكريم:

"عندها ستولد الحضارة العالمية وتزدهر وتخلد نفسها، وستكون حافلة وخصبة بالحياة بحيث لم ير العالم شبهها ولم يتخيلها أحدٌ من قبل. عندئذ سيتحقق العهد الأبدي بشكل كامل وتتحقق الوعود المذكورة في جميع الكتب المقدسة السماوية وتتحقق جميع النبوءات التي وردت على لسان النبيين والمرسلين ويتجلى ما تغنى به ذوو البصيرة والشعراء في رؤاهم. وعندها ستنعم الأرض بدين عالمي بإﻟﻪ واحد أحد، ويكون ولاؤهم وإخلاصهم لدين واحد. وعندها ستعكس الأرض، على الرغم من بعض العثرات، ذلك الجلال والعظمة المتلألئة من سلطنة حضرة بهاء الله الملكوتية… وتصبح الأرض جنة من الملكوت الأبهى وقادرة على تحقيق ذلك المصير العظيم الذي قدّره الخالق لها منذ الأزل بفضل محبّته وحكمته([50])".

يعتقد البهائيون بأنَّ الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ تعمل في اتجاهين أو على مستويين. فمن جهة هناك الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ المطلقة الموجودة في كل مكان والتي تدخل في قلب كل حدث في تاريخ البشرية وتبدو في الظاهر غير ذي بال. إلا أنَّ كل شيء على المدى البعيد يخدم الهدف الإﻟﻬﻲ في توحيد الجنس البشري. ولهذا السبب يدعم البهائيون الكثير من القضايا العالمية والإنسانية ويحاولون أن يستثمروا الجوانب الإيجابية من القضايا الأخرى حتى لو لم يوافقوا على بعض جوانبها.
ومن جهة أخرى، يؤمن البهائيون بأنَّ دينهم و نظامه الإداري يمثلان حلقة وصل بين المشيئة الإﻟﻬﻴﺔ والعالم الإنساني في هذا العصر، وبه تسري روح الوحدة ونهجها وتتغلغل في شئون البشر. ولهذا يرى البهائيون بأنَّ وظيفتهم الرئيسية هي أن يكونوا بمستوى كمال تلك الأداة الممنوحة من الحق تبارك وتعالى للبشرية. وعندما يبدأ نفوذ هذا الظهور الجديد في التغلغل في جسم البشرية ككل سيأخذ السلام الأصغر بالتحول تدريجيًا إلى السلام الأعظم وسيدرك الناس إرادة الله سبحانه وتعالى للجنس البشري ويشهدون تأسيس ملكوت الله على الأرض.
(( من كتاب الدين البهائى بحث ودلراسة ))

_________________



امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 397
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى