مرجع الهداية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مرجع الهداية

مُساهمة  امال رياض في الخميس يونيو 23, 2011 6:59 am


لقد عجزت المجتمعات الدّينيّة المتنوّعة في الماضي عن خلق هذه الوحدة، لأنّ أتباع كلّ واحد منها اعتبروا مؤسّس مذهبهم مرجع الهداية الوحيد وأنّ قانونه الّذي جاء به قانون إلهيّ واعتبروا أيّ رسول آخر أعلن رسالة تباين رسالته عدوًّا للحق. ولأسباب مماثلة كثرت المذاهب المختلفة في كلّ مجتمع، واتبّع أتباع كلّ منها مرجعًا أصغر، واعتبروا تفسيرًا معيّنًا من تفاسير رسالة المؤسّس كأنّه كلّ الدّين الحقيقي لذلك المؤسّس وما عداه باطلاً وضلالاً. ومن الواضح أنّه ما دام الحال على هذا المنوال، فإنّ الوحدة الحقيقيّة مستحيلة، ولنْ تتحقق. أمّا بهاءالله فيعلمنا أنّ جميع الرّسل كانوا حملة الرّسائل الحقّة من الله وأنّ كل واحد منهم أعطى النّاس في يومه أسمى التّعاليم الّتي كانوا يستطيعون تحمّلها وربّى البشر ليستعّدوا لقبول التّعاليم الّتي يأتيهم بها من سيأتي بعده. وبهاءالله يدعوا أتباع كلّ دين إلى أنْ لا ينكروا الإلهام الإلهيّ الّذي جاءت به الرّسل الآخرون. بل يعترفوا بالإلهام الإلهيّ الّذي جاءوا به جميعًا ويروا تعاليمهم متّفقة في أساسها وأنّها أجزاء في خطّة عظمى لتربية الإنسانيّة وتوحيدها. وهو يدعو جميع النّاس على اختلاف تسمياتهم إلى احترام رسلهم عن طريق وقف حياتهم من أجل تحقيق الوحدة الّتي جاهد في سبيلها جميع الرّسل وتحمّلوا العذاب. وفي رسالته إلى الملكة فكتوريا يشبّه العالم برجل مريض تفاقم مرضه لأنّه وقع في أيدي متطبّبين. ويخبرنا بهاءالله بكيفيّة شفائه فيتفضّل بالنّص:-

"وما جعله الله الدّرياق الأعظم والسّبب الأتّم لصّحته هو اتّحاد من على الأرض على أمر واحد وشريعة واحدة، وهذا لا يمكن أبدًا إلا بطبيب حاذق كامل مؤيّد. لعمري هذا هو الحق وما بعده إلا الضّلال المبين. كلّما أتى ذلك السّبب الأعظم وأشرق ذاك النّور من مشرق القدم، منعه المتطبّبون وصاروا سحابًا بينه وبين العالم، لذا ما طاب مرضه، وبقي في سقمه إلى الحين".

تتابع الأديان وتطوّرهاة يرى الكثيرون أنّ حجر العثرة العظيم في طريق الوحدة الدّينيّة هو الاختلاف الظّاهري بين الأديان الّتي جاءت بها الرّسل. فما أمر به أحدهم حرّمه الآخر فكيف إذن يكون الاثنان على صواب؟ وكيف يقال أنّهما يعلنان إرادة الله؟ نعم لا ينكر أنّ الحقيقة واحدة لا تتغيّر، وأنّ الحقيقة المطلقة واحدة لا يمكن أن تتغيّر، ولكنّ الحقيقة المطلقة هي بشكل غير محدود مستحيلة على الإدراك البشريّ الحاضر، وأنّ أفكارنا حولها يجب أنْ تتغيّر بصورة مستمرة. وبفضل من الله سوف تستبدل أفكارنا القديمة النّاقصة بمرور الزّمن بأفكار أنسب وأليق. ويقول بهاءالله في لوح إلى أحد البهائيّين الفرس ما ترجمته:-

"أيّها النّاس إنّ الكلمة تقال بمقدار معّين حتّى يصل النّاشئون إلى مرحلة البلوغ، ويجب أنْ يُعطَى اللّبن إلى أطفال العالم بمقدار معّين، حتّى يدخلوا العالم الأكبر ويستقّروا في خيمة الوحدة".

فاللبّن يقوّي الطّفل حتّى يستطيع أنْ يهضم فيما بعد طعامًا أصلب منه. وقولنا بأنّ أحد الرّسل كان على حق في إعطائه تعاليم في زمن من الأزمان وأنّ الرّسول الآخر لا بدّ أنْ يكون على خطأ وضلال في إعطائه تعاليم أخرى في زمن آخر كقولنا بأنّ اللّبن أحسن غذاء للطّفل منذ أوّل ولادته وهو وحده لا غيره يجب أنْ يُعْطى أيضًا للرجل البالغ وأنّ إعطاء أي غذاء غيره خطأ وضلال. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته ما ترجمته:

"إنّ كل دين من الأديان الإلهيّة ينقسم إلى قسمين (فالقسم الأوّل) وهو الأساس والأصل ويختص بالعالم الباقي وبالأخلاق وبأساس التّعاليم الإلهيّة وببنيان الشّرائع الرّبانيّة، وهو عبارة عن محبّة الله الّتي لنْ تتغيّر ولنْ تتبدّل وهي هي لا غيرها، (والقسم الثّاني) وهو الفرع، ويختص بالجسمانيّات أي بالمعاملات، وهو يتغيّر ويتبدّل حسب رقيّ الإنسان وحسب مقتضى الزّمان والمكان. فمثلاً في زمان موسى لو سرق إنسان شيئًا مهما كان صغيرًا قطعت يداه، وكان قصاص العين بالعين والسّن بالسّن قصاصًا ساري المفعول، ولكنّ ذلك لم يعد ضروريًّا في زمان السّيد المسيح، فنسخ. وكذلك الطّلاق انتشر إلى درجة لم يبق فيها قانون صالح للزّواج لهذا نهى السّيد المسيح عن الطّلاق. وفي زمان موسى عليه السّلام كان الزّمان والمكان يقتضيان نزول أحكام القتل العشرة في التّوراة، وذلك لأنّ حفظ نظام الهيئة الاجتماعيّة لم يكن ممكنًا حينذاك، وكان يستحيل الأمن والاستقرار بدون تطبيق هذه الأحكام الشّديدة، لأنّ اليهود كانوا يعيشون في صحراء التّيه، ولم تكن هناك دار للحكومة ولا سجن أو زنزانة. لكنّ أمثال هذه الأحكام والقوانين لم يكن ضروريًّا في زمان السّيد المسيح. إذن اتّضح أنّ القسم الثّاني من الدّين لا أهمّية له لأنّه يختص بالمعاملات وبأساليب المعيشة. لكنّ أساس الدّين الإلهيّ واحد، وقد جدّد حضرة بهاءالله هذا الأساس الإلهيّ"([124]).

ومع أنّ دين الله دين واحد قام بتعليمه جميع الرّسل، إلا أنّه شيء حيّ ينمو على الدّوام، وليس بشيء ميّت لن يتغيّر ولن يتطوّر. ففي تعاليم موسى نرى البذرة، وفي تعاليم عيسى نرى البرعم، وفي تعاليم محمد نرى الزّهرة وفي تعاليم بهاءالله نرى الثّمرة. ولا تضّر الزّهرة بالبرعم، ولا تضّر الثّمرة بالزّهرة، بل تحقق آمالها، ولا بدّ أنْ يتشقّق الكأس ويسقط لتتفتّح الزّهرة، ولا بدّ أنْ تتناثر أوراق الزّهرة لتظهر الثّمرة وتنضج، فهل كان الكأس أو كانت أوراق الزّهرة عديمة النّفع حتّى وجب رميها ونبذها؟ كلاّ، فإنّهما كانا في وقتيهما لازمين صحيحين، وبدونهما ما كانت الثّمرة لتظهر. وهكذا الحال مع تعاليم الرّسل المتنوّعة، فإنّ ظواهرها تتبدّل من عصر إلى عصر، ولكنّ كلّ دين فيها يكمل سالفه، وليس أحدها بمنفصل عن الآخر، ولا هو بمناقض له، وإنّما المراحل المختلفة في تاريخ حياة دين الله الواحد هي الّتي جعلت الدّين مرّة بمثابة بذرة ومرّة أخرى بمثابة البرعم ومرّة أخرى بمثابة الزّهرة وجعلته الآن يدخل مرحلة الثّمرة.

عصمة الرّسل

يعلمنا بهاءالله أنّ كل من يوهب مقام الرّسالة يُعطى البراهين الكافية على رسالته ويخوّل بمطالبة النّاس بطاعته ويمنح سلطة نسخ تعاليم من سبقه من الرّسل أو تغييرها أو زيادتها، ففي كتاب الإيقان يقول ما ترجمته:-

"لأنّه بعيد جدًا عن فيض الفيّاض وبعيد عن واسع رحمته أنْ يجتبي نفسًا من بين جميع العباد لهداية خلقه ولا يؤتيها الحجّة الكافية الوافية، ومع ذلك يعذّب الخلق لعدم إقبالهم إليها، بل لم يزل جود سلطان الوجود محيطًا على كلّ الممكنات بظهور مظاهر
نفسه، وما أتى على الإنسان حين من الدّهر انقطع فيه فيضه أومنع نزول أمطار الرّحمة عن غمام عنايته... والمقصود من كلّ ظهور حصول التّغيير والتّبديل في العالم سرًّا وعلنًا ظاهرًا وباطنًا لأنّ شؤونات العالم إذا لم تتبدّل يكون ظهور المظاهر الكليّة عبثًا لا ثمرة منه"([125]).
فالعصمة لله. أمّا الرّسل الإلهيّون فإنّهم معصومون لأنّهم حملة الرّسالة الإلهيّة إلى أهل العالم، وتبقى رسالة كلّ واحد منهم نافذة المفعول إلى أنْ تأتي رسالة أخرى تحلّ محلّها، يحملها إليهم نفس الرّسول أو رسول آخر غيره.

والله هو الطّبيب الأعظم الّذي يستطيع وحده أنْ يشخّص مرض العالم ويصف الدّواء المناسب له. وإذا ما وصف دواء في أحد العصور، فإنّ ذلك الدّواء لن يعود مناسبًا للعصر الّذي يليه حين تختلف أحوال المريض، وإنّ التّشبث بالدّواء القديم عندما يصف الطّبيب دواءً جديدًا عمل لا يكشف عن عدم الثّقة بالطّبيب وحسب بل يعتبر كفرًا به ونقضًا للعهد معه. وقد يضطرب اليهودي حين تقول له أنّ الأدوية الّتي وصفها موسى لعلاج مرض العالم قبل ثلاثة آلاف سنة قد أصبحت أدوية غير مناسبة وفات أوانها. وكذلك قد يضطرب المسيحي حين تقول له أنّ محمّدًا جاء بكلّ دواء لازم وثمين ليضيفه إلى ما وصفه السّيد المسيح وقد يضطرب المسلم إذا أوضحت إليه بأن الباب وبهاءالله كالرّسل السّابقين لهما الحقّ في تغيير الفروع الدّينيّة. إلا أنّ الإخلاص لله طبقًا لوجهة النّظر البهائيّة يتضمّن احترام جميع رسله والطّاعة إلى أحدث أوامره التي قدّمها رسوله إلى عصرنا الحاضر، وبمثل هذا الإخلاص وحده نستطيع الوصول إلى الوحدة الحقيقيّّة.

المظهر الأعلى

وقد أوضح بهاءالله رسالته بعبارات جليّة لا يتطرّق إليها الشّك كجميع الرّسل السّابقين. ففي اللّوح الأقدس الّذي خاطب به المسيحييّن بصورة خاصّة يقول بالنّص:- "قل قد جاء الأب وكمُل ما وعدتم به في ملكوت الله. هذه كلمة التّي سترها الابن إذْ قال لمن حوله أنتم اليوم لا تحملونها، فلمّا تمّ الميقات وأتى الوقت أشرقت الكلمة من أفق المشيئة. إيّاكم يا ملأ الابن أن تدعوها وراءكم. تمسّكوا بها، هذا خير لكم عمّا عندكم ... قد جاء روح الحق ليرشدكم إلى جميع الحق، إنّه لا يتكلّم من عند نفسه بل من لدن عليم حكيم. قل هذا لهو الّذي مجّد الابن ورفع أمره. ضعوا يا أهل الأرض ما عندكم وخذوا ما أمرتم به من لدن قويّ أمين".

وفي اللّوح الّذي أرسله إلى البابا من أدرنة سنة 1876 يقول بالنّص:-

"قل إيّاكم أن يمنعكم الذّكر عن المذكور والعبادة عن المعبود أنْ اخرقوا حجب الأوهام هذا ربّكم العزيز العلاّم قد أتى لحياة العالم واتّحاد من على الأرض كلّها، أنْ أقبلوا يا قوم إلى مطلع الوحي ولا توقّفوا أقل من آن. أتقرأون الإنجيل ولا تقرّون للرّب الجّليل؟ هذا لا ينبغي لكم يا ملأ الأحبار. قل إنْ تنكروا هذا الأمر بأيّ حجّة آمنتم بالله فأتوا بها...".

وكما أعلن بهاءالله في رسالته إلى المسيحييّن بتحقّق وعود الإنجيل، كذلك أعلن للمسلمين واليهود وللزردشتييّن ولأصحاب الأديان الأخرى عن تحقّق الوعود المكنونة في كتبهم السّماوية، وخاطب جميع البشر بأنّهم أغنام الله الّتي تفرّقت إلى قطعان مختلفة وآوت إلى حظائر مختلفة، وأنّ رسالته هي صوت الله وأنّه هو الرّاعي الصّالح الّذي جاء في "يوم المنتهى" ليجمع خرافه الّتي تفرّقت ويرفع الحواجز من بينها، "حتّى يكون هناك قطيع واحد وراع واحد".


(( لنا بقية عن موقف بهاءالله من بين جميع الرّسل ))

_________________



امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى