فى معنى الألوهية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فى معنى الألوهية

مُساهمة  امال رياض في السبت ديسمبر 26, 2009 7:19 am

فمظهر الألوهية المنعوت به ذلك الكائن العظيم، وكامل الأسماء والصفات الظاهرة في شخصيته الجليلة يجب أن لا يساء فهمها، ولا أن تُحرّف عن حقيقتها بأي حال من الأحوال. لأنه إذا كنا مخلصين لديننا فيجب علينا أن نعرف بأن الهيكل الإنساني الذي جُعل واسطةً لحمل الأمانة الثقيلة يظل دائماً في مقام هو غير مقام (روح الأرواح) (وجوهر الجواهر) بمعنى أن الله الذي لا يُدرك ولا يُرى والذي مهما أطلقنا ألسنتنا في ذكر ألوهية مظاهره على الأرض لا يمكن بأي حال أن تتجسّد ذاته المنزهة، وأن الغيب البحت المنيع الذي لا يُدرك، لا يمكن أن يُحدّ في حيز كائن فاني. ويقيناً أن الله الذي يكون على هذه الصورة من التجسد يجب على ضوء تعاليم بهاءالله أن لا يظل في الحال إلهاً، وإنه لمن السخف والوهم الواضح القول بتجسد الألوهية الذي يغاير ويتنافر مع مبدأ العقيدة البهائية. ولا يقل القول بهذا وهماً عن القول بمبدأ ألوهية الكون الغير مقبول. وهذان المبدآن -التجسد وألوهية الكون- قد أدحضتهما بيانات بهاءالله وبينت فسادهما وبطلانهما فالذي أعلن في مقاماتٍ متعددة وبيانات شتّى أن كلامه (صوت الحق ونداء الله نفسه) تفضل في كتاب الإيقان بقوله الأعز "بديهيّ لكل قلب بصير منير أن الله الجوهر الذي لا يُعرف والكينونة المقدسة منزّه عن كل نعتٍ جسماني وعن الصعود والنزول والخروج والحلول... فإنه كان محتجباً في أزلية جوهره، ويكون بمثل ما قد كان مخفياً في حقيقته عن الأنظار... وإنه منزه عن الانفصال والاتصال والقرب والبعد... وكان الله ولم يكن معه شئ ـ هذه شهادة عن هذه الحقيقة". وفي مقام آخر عن الألوهية يتفضل بهاءالله بقوله عز بيانه "من الأزل الذي لا يُعرف كان الله محتجباً في حقيقة ذاته العليا، وانه لا يزال مخفياً يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يُعرف... فقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي، إنك لن تراني، بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المَنْع (إنّ كينونتي لن تعرفها) ويتفضل بهاءالله في إحدى مناجاته بقوله الأحلى (ما أعظم حيرتي وأنا لست شيئاً مذكوراً، كلما أحاول أن أسبر عمق علمك وتذهب جهودي عبثاً عند تصوّر بدائع صنعك وقدرتك!) وفي مناجاة أخرى صدرت بخطه الشريف يتفضل قائلاً (كلما أنظر إليك أنادي كل الكائنات وأقول إنني أنا الله، وكلما أنظر إلى نفسي أجدها أحقر من الطين) وفي مقامٍ آخر يتفضل في كتاب الإيقان ويقول (وبما أن باب معرفة قديم الزمان قد قفل في وجه كل الكائنات فإنه وهو منبع كل فضل غير محدودٍ قد قدّر لجواهر التقديس المنورة أن تظهر من عالم الروح في هيكل الإنسان المكرّم، ويظهر لكافة الناس أنهم سيكشفون للعالم عن أسرار الكينونة التي لا تتغير ويحدثونهم عن جوهر كينونته... فكل أنبيائه المصطفين المختارين بلا استثناء حَمَلَة أسمائه ومظهر صفاته. هؤلاء خيام القدس والمرايا الأولية التي تعكس نور بهائه الذي لا يتكدّر، وهم آيات الله غيب الغيوب.)
لذلك فكوننا نعتبر حضرة بهاءالله رغم عظمة أمره، أنه من حيث الجوهر، واحد من بين مظاهر الله الذين لا يمكن أن تتساوى كينونتهم مع الكينونة الغيبية الذاتية الإلهية. هذا مبدأ من مبادئ ديننا وهذه عقيدتنا التي لا يجوز أن تشوبها شائبة من التحريف والإبهام، والتي يجب على كل واحد من أتباع هذا الدين أن لا يسمح بتاتاً بطمس معالمها وتشويه حقيقتها. والدين البهائي الذي جاء، في الواقع وكما أعلن، تحقيقاً للنبوّات وإتماماً لوعد كافة العصور لا يحاول بأي حالٍ توهين المبادئ الخالدة التي تدعم الديانات السابقة بل يعلن ويثبت تلك القوة الإلهية التي أمدّتها، ويعتبر هذا الإعلان من جانبه أعظم ركنٍ من أركانه.
وهو يعتبرها جميعاً نوراً واحداً سطع في درجاتٍ مختلفة في تاريخ تطور مستمر لدين واحد أبدي إلهي لا يتجزأ، وإنه -أي الدين البهائي- نفسه يكون مرحلة كاملة منه، وإنه لا يحاول أن يطمس حقيقة مصدرها المقدس المقرر، ولا الإقلال من جاذبيّة آثارها العظيمة القدر. ولا يمكن أن يقر أية محاولة يراد بها تشويه مقاصدها وحقائقها، أو توهين القواعد المدعمة فيها، ولا تحيد تعاليمه قيد شعرة عما كمن فيها من الحقائق، ولا يقلل عبء رسالة أو يحط ذرة أو خردلة واحدة من قدر النفوذ الذي أحدثته أو روح الولاء الذي نفخته. وهو في حالة كونه أبعد ما يكون عن مقصد هدم الأساس الروحي لنظم الديانات في العالم فإن غرضه الصريح الذي لا يتغير هو توسيع قواعدها وإحياء مبادئها، والتوفيق بين أغراضها، وبعث الحياة فيها وإظهار وحدتها، وإعادة طُهر وصفاء تعاليمها، وإظهار المساواة بين وظائفها والمساعدة في تحقيق أنبل غاياتها. فهذه الديانات التي شرّعت من لدى الحق هي كما وصفها أحد المتدبرين بقوله ـ قد قدر لها أن لا تموت بل تبعث، أليس الطفل يفنى في الشاب، والشاب يفنى في الرجل، بينما لا الطفل ينعدم ولا الشاب !. لذلك يتفضل بهاءالله في كتاب الإيقان بقوله الأحلى "وهم نجوم الحق والمرايا العاكسة لنور الوحدة الإلهية. في أي عصر ودور هبطوا من مكمن غيب عزهم القديم إلى هذا العالم ليعلّموا النفوس ويغمروا بالفضل كل المخلوقات، هم على حدٍ سواء حائزون على القدرة المحيطة والسلطنة الغالبة... هؤلاء المرايا المقدسة ومطالع العز القديم هم جميعاً رمز قطب الوجود على الأرض وجوهره وغايته، منه يستفيضون علمهم وقدرتهم وعنه يستمدون سلطانهم فمجال محياهم إن هو إلا انعكاس صورته، وأمرهم آية عزه المبين... عنهم يظهر فضل لا يتناهى وبهم يتجلى نور لا يطفأ... الألسن البشرية لا يمكن أن تفيهم حق الثناء والكلمات الفانية لا يمكن أن تكشف عن سرّهم" ثم يتفضل ويقول "وبما أن طيور العرش السماوي كلهم نزلوا من سماء إرادة الله وأنهم جميعاً يقومون بإعلان دينه الغالب فإنهم يعتبرون نفساً واحدة وشخصاً واحداً... كلهم يسكنون خيمة واحدة، ويطيرون في سماء واحد، ويجلسون على عرشٍ واحد، وينطقون بكلام واحد، ويعلنون ديناً واحداً... وإنهم يختلفون فقط في مدى أمرهم ويتفاوتون في شدة نورهم، فإذا ثمة نعت من النعوت لم يظهر عن جواهر التجريد هؤلاء فإنه لا يعني بحالٍ من الأحوال أنهم وهم مطالع صفات الله وخزائن أسمائه الحسنى غير حائزين عليه".
كذلك يجب علينا أن نذكر أن هذا الأمر، رغم عظمة قدرته، ومهما يكن من مدى الدور الذي أظهره صاحبه، فإنه يستنكر بشدة أي ادعاءٍ يراد به اعتباره آخر وحيٍ من إرادة الله لبني الإنسان، وإننا إذا تصورنا هذه الصورة عن ماهيته ووظيفته فإن هذا التصور يكون خيانةً عظيمة لأمره وإنكاراً لحقيقته، ويتعارض بالضرورة مع الركن الأساسي للدين البهائي ومبدئه الثابت من أن الحقيقة الدينية ليست منفصلة بل متصلة، وأن الوحي الإلهي متعاقب مستمر وليس منقطع أو متوقف. والحق أن المعارضة الصريحة التي يقوم بها أتباع دين بهاءالله في وجه القول بختمية أي دين من الأديان السابقة هي بمثل الصراحة والوضوح الذي يؤكدون به رفض دعوى انقطاع الوحي من بعد دينهم الذي يقومون شهوداً عليه، فالاعتقاد بأن الوحي قد أختتم، وأبواب الرحمة الإلهية أغلقت، وأنه لن تشرق شمس من مكمن القدس الأبدي مرة أخرى، وأن بحر الفيض الأبدي قد سُجر، وإن رسل الله قد توقفت عن الظهور من سرادق العز القديم مثل هذا الاعتقاد يجب أن يعتبر عند كل تابع لهذا الدين انحرافاً عن مبدأ يعد من أهم وأقدس مبادئه الأساسية، وإن التسامح فيه غير جائز، ويكفي الإشارة إلى ما جرى به قلم بهاءالله وعبدالبهاء لقطع دابر كل شكٍ في هذا المبدأ الأساسي.
أليس فيما نقتطفه من "الكلمات المكنونة" دليل الإشارة إلى استمرار الوحي الإلهي، وإعلاناً من صاحبها أن الرسالة التي يحملها ليست الأخيرة في ذاتها ولا هي آخر فيض للهداية من الله العزيز قوله تعالى : "يا ابن الإنصاف! بالليل رجع جمال هيكل البقاء من عقبة زمرّد الوفاء إلى السدرة المنتهى، وبكى حتى ناح لبكائه ملأ العليّين والكرّوبين، ثم استفسروا عن سبب النوحة والندبة فأجاب إنني كنت حسب الأمر منتظراً في عقبة الوفاء وما وجدتُ من أهل الأرض رائحة الوفاء، بعد ذلك قصدت الرجوع ولاحظنا عدةً من حمامات القدس مبتلية في قبضة كلاب الأرض، وفي هذا الحين هرعت الحورية الإلهية من قصرها الروحاني من غير ستر وحجاب وسألت عن أسمائهم فذكرت كلّها إلاّ اسماً من الأسماء، فلما ألحّت جرى حرف أول اسم من لساني فسرع أهل الغرفات من مكامن عزّهم، ولمّا ذكر الحرف الثاني سجد الجميع على التراب، عند ذلك ارتفع النداء من مكمن القرب أن لا يجوز الزيادة على هذا إنّا كنّا شهداء على ما فعلوا وحينئذٍ كانوا يفعلون".
وفي "سورة الصبر" التي نزلت في سنة 1863 في نفس اليوم الذي تشرّفت حديقة الرضوان بقدوم بهاءالله يتفضّل بقوله الأعزّ "قد أرسل الله رسله من بعد موسى وعيسى، وسوف يبعثهم إلى الآخر الذي لا آخر له حتى بذلك يستمر فيضه من سماء الفضل الإلهي على بني الإنسان" وفي مقام آخر يتفضّل ويقول "ليس خوفي من أجل نفسي بل على الذي يأتي إليكم من بعدي الذي يظهر بسلطان عظيم وقدرة غالبة" وفي سورة الهيكل يتفضّل بقوله الأحلى: "لم أكن بما نزّلت من الكلمات أعني نفسي بل الذي يأتي من بعدي، يشهد بذلك العليم الخبير. فلا ترتكبوا معه ما ارتكبتموه معي." وفي مقام آخر أكثر وضوحاً يتفضّل الباب في البيان الفارسي بقوله الأحلى: "ومن الواضح المشهود أن غاية كل الأدوار السابقة كان تهيئة الطريق لظهور محمد رسول الله، وهذه الأدوار بما فيها الدور المحمدي كانت بدورها تمهد الطريق لظهور أمر القائم، وكان مقصد هذا الأمر وكل ما سبقه الإعلان على مجئ دين (من سيُظهره الله) وهذا الدين بدوره أيْ دين (من سيُظهره الله) يحمل مع كافة الأديان التي سبقتْه غاية هي ظهور من يأتي من بعده. وهذا الأخير، شأن كل ما سبقه من الأديان، يمهّد الطريق بدوره للأمر الذي يأتي من بعده. وهكذا يستمر شروق الشمس وغروبها إلى ما لا نهاية، لم يكن لهما بداية ولن يكون لهما نهاية". وفي هذا المقام يتفضّل بهاءالله بقوله الأقدس: اعلم علم اليقين أنه في كل دور كان نور الوحي الإلهي على قدر الاستعداد الروحاني للبشر. انظر إلى الشمس كيف أن ضوءها يظهر خافتاً عند طلوعها على الأفق، ثم تزداد حرارتها وشدّتها كلما اقتربت من نقطة الزوال، وبذلك تُمكّن كل الكائنات من تتبّع نورها المتزايد، ثم تتضاءل بالتدريج إلى أن تغرب في مقرّها. فلو كانت كل قواها تظهر دفعة واحدة لا شك تنعدم كل الأشياء... هكذا أيضاً شمس الحقيقة، إذا كانت في مرحلة ظهورها الأولى تشرق دفعة واحدة بكل القوى التي وهبتْها العناية الإلهية إذاً لانعدمت واحترقت أراضي القلوب البشرية، لأن قلوب البشر لا تقوى على احتمالها ولا تستطيع أن تعكس أنوارها، وإذ يأخذها الرعب والصعقة فإنها تموت".
في ضوء هذه البيانات الجامعة المبينة يكون من واجبنا الصريح أن نكشف بجلاء تام لكل باحثٍ عن الحق أن رسل الله الغيب الذي لا يُعرف، بمن فيهم بهاءالله نفسه، قد كُلّفوا -من الأول الذي لا أول له- باعتبارهم مهابط فضل الله ومظاهر وحدانيته ومرايا نوره والمُدلّين عن غايته، أن يكشفوا للعالم جزءاً من الحقيقة المستمرة ويرسلوا عليهم قبساً من إرادته الخفية وهدايته الإلهية، وإنهم يستمرّون -إلى الآخر الذي لا آخر له- قائمين باستفاضة أمر الله من مكمن قدرته وعزّه الذي لا يتناهى، وإظهار هذا الأمر في صورةٍ أتمّ وأكمل. ويجدر بنا أن نتدبّر بقلوبنا المقتطفات الآتية من إحدى مناجاة بهاءالله التي تعطينا دليلاً آخر عن هذه الحقيقة العظيمة الجوهرية الكامنة في صُلب رسالة لبني الإنسان، قوله الأعزّ:
"أي ربّ لك الحمدُ على بدايع قضاياك وجوامع رزاياك مرّةً أودعتني بيد النمرود ثم بيد الفرعون وورد عليّ ما أنت أحصيته بعلمك وأحطته بإرادتك ومرّةً أودعتني في سجن المشركين بما قصصت على أهل العماء حرفاً من الرؤيا الذي ألهمتني بعلمك وعرّفتني بسلطانك ومرّةً قطعتَ رأسي بأيدي الكافرين ومرّةً أرفعتني إلى الصليب بما ظهرت في الملك من جواهر أسرار عزّ فردانيتك وبدايع آثار سلطان صمدانيتك ومرّةً ابتليتني في أرض الطّف بحيث كنت وحيداً بين عبادك وفريداً في مملكتك إلى أن قطعوا رأسي ثم أرفعوه على السّنان وداروه في كل الديار وحضروه على مقاعد المشركين ومواضع المنكرين ومرّةً علّقوني في الهواء ثم ضربوني بما عندهم من رصاص الغلّ والبغضاء إلى أن قطعوا أركاني وفصلوا جوارحي إلى أن بلغ الزّمان إلى هذه الأيام التي اجتمعوا المغلّون على نفسي ويتدبّرون في كل حينٍ بأن يدخلوا في قلوب العباد ضغني وبغضي ويمكرون في ذلك بكلّ ما هم عليه لمقتدرون... فوعزتك يا محبوبي أشكرك حينئذ في تلك الحالة وعلى كلّ ما ورد عليّ في سبيل رضائك وأكون راضياً منك ومن بدايع بلاياك..."
(من كتيب "دورة بهاءالله"، الصفحات 24-33. النص الأصلي أعلاه بديل للترجمة الواردة في الكتيب المذكور)





ولما كانت الذات الإلهية المقدسة لا تدركها الأبصار ولا البصائر ولا تحيط بها الأفهام ولا العقول، فالسبيل مسدود والطلب مردود غيب منيع منزّه عن إدراك كلّ مُدرك وعرفان كلّ عارف وهذا هو المعني بقوله تعالى: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير." (القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 103) وتأملوا في قوله تعالى: "ألا إنه بكلّ شئ محيط." (القرآن الكريم، سورة فصّلت، الآية 54) فنرى إن الذات الإلهية المقدسة محيطة وجميع الكائنات محاطة ومنها الإنسان فأنّى للمحاط أن يدرك كنه من أحاط به أو أن يعرف حقيقته، قال عليه الصلاة والسلام: "تفكروا في كلّ شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى." (رقم الحديث 2345 الجامع الصغير). وقال عليه الصلاة والسلام: "كلّكم في ذات الله حمقى". فلا يمكن للمصنوع إدراك حقيقة صانعه فحقيقة الألوهية مقدّسة عن علائق العقول والخيالات والصعود إلى ذلك المقام ممتنع محال.

ويتفضل حضرة بهاءالله عن هذا:

"بسم الله الأقدس العلي الأعلى"
"سبحانك اللهم يا الهي أشهد لنفسك ما شهدتَ لنفسك بنفسك قبل خلق الاختراع وذكر الإبداع بأنك أنت الله لا إله إلاّ أنت لم تزل كنتَ في علوّ وحدانيتك مقدساً عن توحيد عبادك ولا تزال تكون في سموّ فردانيتك متعالياً عن ذكر خلقك لا ينبغي لذاتك ذكر غيرك ولا يليق لنفسك وصف ما سواك، كلّ موحّدٍ تحيّر في توحيد ذاتك واعترف بالقصور عن الصعود إلى عرفان كنهك والبلوغ إلى ذروة عرفانك، كلّ ذي قوة أقرّ بالعجز وكلّ ذي علمٍ اعترف بالجهل وكلّ ذي وجود معدوم عند ظهورات عز سلطنتك وكلّ ذي ظهور مفقود لدى شئونات عظمتك وكلّ ذي نور مظلم عند بوارق وجهك وكلّ ذي بيان كليل عند تنزّل آيات قدس أحديتك وكلّ قائم مضطرب عند ظهور عز قيوميتك. هل لغيرك يا إلهي من وجود ليذكر تلقاء ذكرك وهل لدونك من ظهور ليكون دليلاً لنفسك أو مذكوراً في ساحة عز توحيدك لم تزل كنتَ ولم يكن معك من شئ ولا تزال تكون بمثل ما كنت لا إله إلاّ أنت المقتدر العليم..." (كتيب "آثار قلم أعلى"، مجموعة مناجات، الصفحات 74-76)
وفي لوح إلى ناصر الدين شاه يتفضل حضرة بهاءالله بهذا الشأن ما يلي:

"يا سلطان إني كنت كأحد من العباد وراقداً على المهاد مرّت عليّ نسائم السبحان وعلّمني علم ما كان ليس هذا من عندي بل من لدن عزيز عليم. وأمرني بالنداء بين الأرض والسماء وبذلك ورد عليّ ما تذرّفت به عيون العارفين. ما قرأت ما عند الناس من العلوم وما دخلت المدارس فاسئل المدينة التي كنت فيها لتوقن بأني لست من الكاذبين. هذا ورقة حرّكتها أرياح مشيّة ربّك العزيز الحميد هل لها استقرار عند هبوب أرياح عاصفات؟ لا ومالك الأسماء والصفات بل تحرّكها كيف تريد. ليس للعدم وجود تلقاء القِدم قد جاء أمره المبرم وأنطقني بذكره بين العالمين. إني لم أكن إلاّ كالميت تلقاء أمره قلّبتني يد إرادة ربّك الرحمن الرحيم. هل يقدر أحد أن يتكلم من تلقاء نفسه بما يعترض عليه العباد من كلّ وضيع وشريف؟ لا فوالذي علّم القلم أسرار القِدم إلاّ من كان مؤيداً من لدن مقتدر قدير."
(ألواح حضرة بهاءالله إلى الملوك والرؤساء، الصفحة Cool
وكما بيّنا سابقاً إن للرسل مراتب عند الله تعالى، فموسى كليم الله والمسيح روح الله والمصطفى حبيب الله وكلّهم بشّر بلقاء الله ومهدوا الطريق وأعدوا الإنسانية لهذا اليوم العظيم الذي تجلت فيه شمس الغيب الإلهية على المرآة الكلّية لهذا الظهور، الظهور الكلّي لأمر الله حضرة بهاءالله.

قد نشبّه ملكوت الله بمملكة فيها السفراء والأولياء والأنبياء والرسل وجاءوا للتبشير بيوم الله ولقائه وليكون عالم الملك أهلا لتشريفه وكان خاتمهم الرسول عليه الصلاة والسلام فختم دورة من النبوات والرسالات المؤشرة إلى مجيء مظهر هذا الظهور الأعظم فلم يحدث أن صرح حضرة بهاءالله أنه نبي أو رسول بل أنه وعد الآخرة الذي بشرت به جميع الرسالات السماوية السابقة ولابدّ لهذا الموعود -الملك- أن يكون أيضاً في الهيكل الإنساني. فكذلك الأمر في هذا العالم فإن الملك يرسل قناصله وسفراءه ووزراءه وأمراءه إلى بلدٍ ما ثم يأتي هو الذي أرسلهم جميعاً من قبل لزيارة هذا البلد. ولا ريب أن هؤلاء جميعاً رغم اختلاف رتبهم ومقاماتهم من البشر فإذا جاء الذي أرسلهم بنفسه يكون هو أيضاً من البشر ولكن في الرتبة العليا.

ويتفضل حضرة بهاءالله في "لوح مقصود" بهذا الشأن ما يلي:

"هو الله تعالى شأنه العظمة والاقتدار"
"حمداً تقدّس عن الذكر والبيان يليق بحضرة المعبود ومالك الغيب والشهود الذي أوجد من النقطة الأولى كتباً لا تحصى. وأبدع خلق الأولين والآخرين من كلمته العليا. وأرسل سفيراً بما تقتضي حكمته البالغة في كلّ قرن من القرون وكلّ عصر من العصور ليحيى الخلق الخامد بماء البيان. فهو المبين وهو المترجم لأن الناس قاصرون وعاجزون عن إدراك ما جرى من القلم الأعلى في الكتب الإلهية. وعلى أي حال لابدّ من المذكّر والهادي والمعرّف والمعلّم. لذا أرسل السفراء والأنبياء والأصفياء ليطلعوا الناس على ما هو المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل..."
(مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله، الصفحة 141)

وقد يقول قائل بأن لقاء الله حتمي ولكن في يوم القيامة، كما يفسرها أتباع الديانات السابقة، فيتفضل حضرة بهاءالله في "سورة الصبر" موضّحاً هذا الأمر وحقيقة القيامة ومعنى ختم النبوة بما يلي قوله الأحلى:

"... قل يا ملأ الجهّال أما نزلّنا من قبل يوم يأتي الله في ظلل من الغمام فإذا جاء في غمام الأمر على هيكل عليّ بالحق أعرضتم واستكبرتم وكنتم قوماً بوراً. وأما نزّل يوم يأتي ربّك أو بعض آيات ربّك وإذا جاء بآيات بينات بم أعرضتم عنها وكنتم في حجبات أنفسكم محجوباً. قل إن الله كان مقدساً عن المجيء والنزول وهو الفرد الصمد الذي أحاط علمه كلّ من في السموات والأرض ولن يأتي بذاته ولن يُرى بكينونته ولن يُعرف بإنِّيته ولن يُدرَك بصفاته والذي يأتي هو مظهر نفسه... أن يا سمع البقاء اسمع ما يقولون هؤلاء المشركون بأن الله ختم النبوة بحبيبه محمد رسول الله ولن يبعث من بعده أحد وجعل يداه عن الفضل مغلولاً. ولن يظهر بعده هياكل القدس ولن يستشرق أنوار الفضل وانقطع الفيض وتمّ القدرة وانتهى العناية وسدّت أبواب الجود بعد الذي كانت نسمات الجود لم يزل عن رضوان العز مهبوباً. قل غلّت أيديكم ولُعنتم بما قلتم بل أحاطت يده كلّ من في السموات والأرض يبعث ما يشاء بقدرته ولا يُسئل عمّا شاء... قل يا ملأ الفرقان تفكّروا في كتاب الذي نزّل على محمد بالحق بحيث ختم فيه النبوة بحبيبه إلى يوم القيامة وهذه لقيامة التي فيها قام الله بمظهر نفسه وأنتم احتجبتم عنها كما احتجبوا ملل الأرض عن قيامة محمد من قبل... قل أما وُعدتم بلقاء الله في أيامه فلما جاء الوعد وأشرق الجمال عن أفق الجلال أغمضتم عيونكم وحشرتم في أرض الحشر عمياً. قل أما نُزّل في الفرقان بقوله الحق كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً... إذاً فإسأل عنهم كيف يفسرون ما نُزّل من جبروت العزة على محمد عربياً وما يقولون في معنى الوسط لو ختم النبوة به فكيف ذكرت في الكتاب أمته وسط الأمم إذاً فاعرف مقدارهم كأنهم ما سمعوا نغمات الورقاء ولو سمعوا ما عرفوا وكذلك كانت الحجة من كتابهم عليهم بليغاً. وهذا من قول الذي تكلّم به كلّ الأمم في عهد كلّ نبي فكلّما جاءهم رسول من رسل الله قالوا لست أنت بمرسل وختم النبوة بالذي جاء من قبل... فاذكر لهم نبأ محمد من قبل إذ جاء بسلطان مبيناً. قال يا قوم هذه من آيات الله قد نزّلت بالحق ألاّ تختلفوا في أمر الله ثم اجتمعوا على شاطئ عز منيعاً. ويا قوم فانظروا إليّ بنظرة الله ولا تتبعوا أهوائكم ولا تكونوا بمثل الذينهم دعوا الله في أيامهم ولياليهم ولمّا جاءهم أعرضوا عنه وأنكروه وكانوا على أصنام أنفسهم معكوفاً. وقالت اليهود تالله هذا الذي افترى على الله أم به جُنةّ أو كان مسحوراً. قالوا إن الله ختم النبوة بموسى وهذا حكم الله قد كان في التوراة مقضياً. ولن ينسخ شريعة التوراة بدوام الله والذي يأتي من بعد يبعث على شريعتها لينتشر أحكامها على كلّ من على الأرض وكذلك كان الأمر من سماء الحكم على موسى الأمر منزولاً. والذين أوتوا الإنجيل قالوا بمثل قولهم وكانوا من يومئذ إلى حينئذ منتظراً. وأطردهم الله بما نُزّل على محمد العربي في سورة الجن وإنهم ظنّوا كما ظننتم أن لن يبعث الله من بعده أحداً... قل قد بعث الله رسلاً بعد موسى وعيسى وسيرسل من بعد إلى آخر الذي لا آخر له بحيث لن ينقطع الفضل من سماء العناية يفعل ما يشاء ولا يُسئل عمّا يفعل وكلّ عن كلّ شئ في محضر العدل مسئولاً... قد قضت الساعة بالحق وقامت القيامة... فسوف يجتمع الله في ظله كلّ من في الملك وهذا ما كتب الله على نفسه الحق... إذاً فالق عليهم ما غردت حمامة الروح... لعل يتّبعون ما فُسّر في الختم عن لسان الذي كان راسخا في العلم في زيارة اسم الله علياً. قال وقوله الحق الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل وكذلك ذكر معنى الختم من لسان قدس منيعاً. كذلك جعل الله حبيبه خاتماً لما سبقوه من النبيين وفاتحاً لما يأتي من المرسلين من بعد إذاً تفكروا يا ملأ الأرض فيما ألقيناكم بالحق... ولا تحتجبوا عمّا سمعتم من علمائكم ثم اسئلوا أمور دينكم عن الذي جعله الله راسخاً في علمه وكانت الأنوار من نور وجهه متلألئاً ومضيئاً." (من كتاب "الأيام التسعة"، الصفحات 273-279)

نعم، إنه الإعراض والإعتراض والمسلمون الآن يعترضون على هذا الظهور كما اعترضت الأمم من قبلهم على المرسلين إليهم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال مخاطباً أمته: تأخذون كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع حتى لو أن أحداً من أولئك دخل جحر ضبّ لدخلتموه... عن ابن عباس قال ما أشبه الليلة بالبارحة كالذين من قبلكم بنو إسرائيل شبهّنا بهم لا أعلم إلاّ أنّه قال والذي نفسي بيده لتتبعنّهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر الضبّ لدخلتموه. وروي مثل ذلك عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتأخذنّ كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشر وباعاً بباع حتى لو أن أحداً من أولئك دخل جحر الضبّ لدخلتموه.

إن حبيب الله كان خاتماً لمن سبقوه من النبيين وفاتحاً لما يأتي من المرسلين من بعد فإن هناك أدوارا وأكواراً للرسل والأنبياء فمثلاً دورة آدم عليه السلام ابتدأت به وختمت بالرسول عليه الصلاة والسلام واستغرقت هذه الدورة سبعة آلاف سنة تضمنت سبعة من الرسل أولي العزم أصحاب الكتاب وبضع عشرات من الأنبياء والأولياء المروجون لهم. وعن الشيخ أحمد... روي أن الأنبياء مائة ألف وعشرون ألف نبي أو مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي على اختلاف الروايتين والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً بعدة أصحاب بدر وبعدّة أصحاب القائم...

فإذا استغرق ظهور سبعة من الرسل وبضع عشرات من الأنبياء والأولياء سبعة آلاف عام فكم هي يا ترى المدة التي استغرقها ظهور مائة وأربعة وعشرون ألف نبي منهم ثلاثمائة وعشر رسولاً؟ "ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك..." (القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 164)

فكم من الأدوار مرّت منذ الأزل وكم من الأدوار ستمر إلى نهاية التي لا نهاية لها " ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله." (القرآن الكريم، سورة لقمان، الآية 27)

ونعود إلى موضوعنا فنقول قد يعترض البعض بأنه كيف يمكن أن يتجلى الله وهو الخالق على مرآة أحد من خلقه وهو مخلوق ويرسله على أنه ظهوره فنقول بما تفضل به حضرة بهاءالله في "لوح العرش": ... ثم انظر في الصانع إنه يصنع خاتماً مع أنه صانعه يزين إصبعه به وإنه تعالى لو يظهر بلباس الخلق هذا من فضله لئلا يفرّ منه عباده ويتقربون إليه ويقعدون تلقاء وجهه ويسمعون نغمات بديعه ويتلذّذون بما يخرج من فمه وما نزّل عليهم من سماء مشيته وفي ذلك لحكمة لو تفكر فيها بدوام الله لتجد في كلّ حين ما لا وجدته من قبل. وإنه تعالى لو يظهر على شأنه وصورته وما هو عليه لن يقدر أحد أن يتقرب به أو يؤانس معه مثلاً فانظر في السرير أو العرش أو الكرسي وأمثالها يصنعها أحد من بريته بتأييدات التي نزّل عليهم من سماء فضله وسحاب جوده وإنه يستوي عليها، قبل استوائه عليها لا يعرفها أحد يجدونها مصنوع أيديهم ولكن بعد استوائها عليها ينقطع كلّ النسب عنها يكون عرش الرحمن ويطوف عليه حقائق كلّ شئ عما خلق في السموات والأرض إذاً يكون عرفانها منوط بأنظر الناظرين وأبصر المتبصرين من يكون على البصيرة النورانية ليشهد بأنها خلق قبل خلق السموات والأرض... (لئالئ الحكمة، المجلد 1، الصفحة 56)


وقد بيّن حضرة عبدالبهاء في كثير من الألواح حقيقة هذا المطلب المعجز للأفهام فتفضل في أحد ألواحه (المكاتيب):

"... اعلم أن حقيقة الألوهية الذات البحت والمجهول النعت لا تدركه العقول والأبصار ولا تحيط بها الأفهام والأفكار، كلّ بصيرة قاصرة عن ادراكها وكلّ صفقة خاسرة في عرفانها، أنّى لعناكب الأوهام أن تنسج بلعابها في زوايا ذلك القصر المشيد وتطّلع بخبايا لم يطلع عليها كلّ ذي بصر حديد، ومن أشار إليه أثار الغبار وزاد الخفاء خلف الأستار، بل هي تبرهن عن جهل عظيم وتدل على الحجاب الغليظ، فليس لنا السبيل ولا الدليل إلى ادراك ذلك الأمر الجليل حيث السبيل مسدود والطلب مردود وليس له عنوان على الإطلاق ولا نعت عند أهل الإشراق، فاضطررنا على الرجوع إلى مطلع نوره ومركز ظهوره ومشرق آياته ومصدر كلماته، ومهما تذكر من المحامد والنعوت والأسماء الحسنى والصفات العليا كلّها ترجع إلى هذا المنعوت، وليس لنا إلاّ التوجه في جميع الشؤون إلى ذلك المركز المعهود والمظهر الموعود والمطلع المشهود، وإلاّ نعبد حقيقة موهومة مقصورة في الأذهان مخلوقة مردودة ضرباً من الأوهام دون الوجدان في عالم الإنسان وهذا أعظم من عبادة الأوثان فالأصنام لها وجود في عالم الكيان وأما الحقيقة الألوهية المتصورة في العقول والأذهان ليست إلاّ وهم وبهتان، لأن الحقيقة الكلّية الإلهية المقدسة عن كلّ نعت وأوصاف لا تدخل في حيز العقول والأفكار حتى يتصورها الإنسان، وهذا أمر بديهي البرهان مشهود في عالم العيان ولا يحتاج إلى البيان، إذاً مهما شئت وافتكرت من العنوان العالي والأوصاف المتعالي كلّها راجعة إلى مظهر الظهور ومطلع النور المتجلي على الطور [قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فأياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى...]"(القرآن الكريم، سورة الاسراء، الآية 110)
(من مكاتيب عبدالبهاء، الصفحتين 93-94)

وفي لوح آخر يتفضل:
"... ثم اعلم أن الحقيقة الرحمانية التي عبر عنها بغيب الغيوب ومجهول النعت والمنقطع الوجداني قد تقدس عن كلّ ذكر وبيان واشارة ونعت وثناء... وأما الحقيقة الكلّية النورانية والمرآة الصافية التي تحكي بتمامها عن شؤون مجلّيها وتنطبق آثارها على آثار الشمس الظاهرة فيها فهي الحقيقة الكلّية الإنسانية والكينونة الرحمانية والذات الصمدانية..." (من مكاتيب عبدالبهاء، الصفحتين 72-73)

وفي رد على سؤال بخصوص رؤية الله يتفضل:

"... أما بعد أيها السائل الجليل المتوجه إلى الملكوت العظيم اعلم أن الرؤية في يوم الله مذكور في جميع الصحائف والزبر والألواح النازلة من السماء على الأنبياء في غابر الأزمان والعصور الخالية والقرون الأولية، وكلّ نبي من الأنبياء بشر قومه بيوم اللقاء فارجع إلى النصوص الموجودة في الإنجيل والزبور والتوراة والقرآن قال الله تعالى في الفرقان "اعلموا أنكم ملاقوه يوم القيامة". (سورة البقرة، الآية 223) وأيضاً "قد خسر الذين كذبوا بلقاء ربّهم". (سورة الأنعام، الآية 31) وأيضاً "لعلكم بلقاء ربكم توقنون". (سورة الرعد، الآية 2) وفي حديث مروي من أحد وعشرين من الصحابة أن رسول اله صلى الله عليه وآله قال (سترون ربكم كما ترون البدر في ليلة أربع عشر) وقال علي عليه السلام (رأيت الله والإفريدوس برأي العين) وأيضاً قال (ورأيته وعرفته فعبدته لا أعبد رباً لم أره)، مع هذه العبارات المصرّحة والنصوص الصريحة والروايات المأثورة اختلفت الأقوام في هذه المسألة، منهم من قال إن الرؤية ممتنعة واستدلّ بالآية المباركة وهي "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" ومنهم من قال اذا أنكرنا الرؤية بالكلّية يقتضي إنكار نصوص القرآن ويثبت عدم العصمة للأنبياء، فإن السؤال عن الممتنع المحال لا يجوز قطعياً من نبي معصوم، وسُئل موسى الكليم عليه السلام الرؤية "وقال ربي أرني أنظر إليك" (القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 143) والعصمة مانعة عن سؤال شئ ممتنع، وحيث صدر منه هذا السؤال فهو برهان قاطع ودليل لائح على إمكان الرؤية وحصول هذه البغية، وما عدا هذا الدليل الجليل عندك دليل واضح مبين وهو إذا فرضنا امتناع الرؤية حقيقة في عالم الشهود والعيان فما النعمة الإلهية التي اختص الله بها في جنة اللقاء عباده المكرمين من الأصفياء بل امتناع الرؤية إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة متيسرة حاصلة لكلّ عبد أواب، فإن الكليم الكريم عليه السلام لما شرب مدام محبة الله واهتز من استماع كلمة الله وثمل من سورة صهباء الخطاب نسي أنه في الدنيا وانكشفت له الجنة المأوى، وحيث أن الجنة مقام المشاهدة واللقاء قال "رب أرني أنظر إليك." فأتاه الخطاب من رب الأرباب أن هذه المنحة المختصة بالأصفياء "والله يختص برحمته من يشاء..." (القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 105) إنما تتيسر في اليوم الذي ترتعش فيه أركان الأرض والسماء وتقوم القيامة الكبرى وتنكشف الواقعة عن الطامة العظمى، هذا ما ورد في جميع التفاسير والتآويل من أعلم علماء الأسرار في كلّ الأعصار من جميع الأقطار، وأما جوهر المسألة وحقيقة الأمر إن اللقاء أمر مسلم محتوم منصوص في الصحف وألواح الحي القيوم وهذا هو الرحيق المختوم "ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون." (القرآن الكريم، سورة المطففين، الآية 26) فإن للحقيقة الكلّية والهوية اللاهوتية الظهور في جميع المراتب والمقامات والشئون، لأنها واجدة للمراتب ساطعة البرهان لامعة الحجة في كلّ كيان، وهو بكلّ شئ محيط كما قال عليه السلام (أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك عميت لا تراك) وقال (يا من دلّ بذاته وتقدس عن مجانسة مخلوقاته) لأن المراتب والمقامات مجال ومرايا لظهور الأسماء والصفات، فظهور الحق محقق في جميع الشئون حتى يكون الوصول إليه في جميع المراتب مما كان ويكون، والممكنات ممتلئة من أسرار الأسماء والصفات، والإدراك لا يتحقق إلاّ من حيث الصفة وأما الذات من حيث هو هو مستور عن الأنظار ومحجوب عن الأبصار، غيب منيع لا يدرك ذات بحت لا يوصف (السبيل مسدود والطلب مردود) فإن الحق من حيث الأسماء والصفات له ظهور في جميع المراتب المترتبة في الوجود على النظم الطبيعي والترتيب الفطري وله تجليات على رؤوس الأشهاد في جنة اللقاء الفردوس الأعلى والملكوت الأبهى، إذاً فاعلم بأن الرؤية واللقاء من حيث الحقيقة الغيبية التي تعبر عنها بالغيب الوجداني "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وأما من حيث الظهور والبروز والتجلي وكشف الحجاب وإزالة السحاب ورفع النقاب في يوم الإياب فالرؤية أمر مشروع موعود في اليوم المشهود يختص الله بها من يشاء من أهل الجود الذين لهم نصيب مفروض من هذا المقام المحمود، والبرهان واضح منصوص مثبوت ويشهد به العقول المستوية الربانية الإلهية، فإن الفيض لا ينقطع من مرتبة من المراتب والفضل والجود لا يحرم منه مقام من المقامات... (من مكاتيب عبدالبهاء، الصفحات 68-70)

ونختم هذه المقالة في ذكر تحقق علامات القيامة التي أوردها حضرة بهاءالله ضمن لوح الشيخ محمد تقي، الملقب بالنجفي قوله الأحلى:

"... يا أيها المتوجه إلى أنوار الوجه. قد أحاطت الأوهام سكان الأرض ومنعتهم عن التوجه إلى أفق اليقين وإشراقه وظهوراته وأنواره. بالظنون منعوا عن القيوم. ويتكلمون بأهوائهم ولا يشعرون. منهم من قال هل الآيات نزلت قل إي ورب السموات. هل أتت الساعة بل قضت ومظهر البينات. قد جاءت الحاقة وأتى الحق بالحجة والبرهان. قد برزت الساهرة والبرية في وجل واضطراب. قد أتت الزلازل وناحت القبائل من خشية الله المقتدر الجبار. قل الصاخة صاحت واليوم لله الواحد المختار. هل الطامة تمت قل إي ورب الأرباب. هل القيامة قامت بل القيوم بملكوت الآيات. هل ترى الناس صرعى بلى وربي العلي الأعلى. هل انقعرت الأعجاز بل نسفت الجبال ومالك الصفات. قال أين الجنة والنار. قل الأولى لقائي والأخرى نفسك يا أيها المشرك المرتاب. قال إنّا ما نرى الميزان. قل إي وربي الرحمن لا يراه إلاّ أولو الأبصار. هل سقطت النجوم قل إي إذ كان القيوم في أرض السر فاعتبروا يا أولي الأنظار. قد ظهرت العلامات كلّها إذ أخرجنا يد القدرة من جيب العظمة والاقتدار. قد نادى المنادِ إذ أتى الميعاد وانصعق الطوريون في تيه الوقوف من سطوة ربك مالك الإيجاد. يقول الناقور هل نفخ في الصور. قل بلى وسلطان الظهور اذ استقر على عرش اسمه الرحمن. قد أضاء الديجور من فجر رحمة ربك مطلع الأنوار. قد سرت نسمة الرحمن واهتزت الأرواح في قبور الأبدان. كذلك قضي الأمر من لدى الله العزيز المنان. قال الذين غفلوا متى انفطرت السماء. قل إذ كنتم في أجداث الغفلة والضلال. من الغافلين من يمسح عينيه وينظر اليمين والشمال. قل قد عميتَ ليس لك من ملاذ. منهم من قال هل حشرت النفوس قل إي وربي إذ كنتَ في مهاد الأوهام. ومنهم من قال هل نزّل الكتاب بالفطرة. قل إنها في الحيرة. اتقوا يا أولي الألباب. ومنهم من قال أحشرتُ أعمى. قل بلى وراكب السحاب. قد تزيّنت الجنة بأوراد المعاني. وسعّر السعير من نار الفجار. قل قد أشرق النور من أفق الظهور وأضاءت الآفاق إذ أتى مالك يوم الميثاق. قد خسر الذين ارتابوا وربح من أقبل بنور اليقين إلى مطلع الإيقان." ("لوح ابن الذئب" الصفحات 96-98)

_________________



امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 402
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى