تعريف كتاب الأقدس (2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تعريف كتاب الأقدس (2)

مُساهمة  امال رياض في السبت أكتوبر 10, 2009 1:17 pm

لقد أُنزل الكتاب الأقدس كاملاً باللّغة العربيّة، ولا يفوت القارئ ما ينطوي عليه اختيار حضرة بهاء الله اللّسان العربيّ ليكون لغة الصّلاة الّتي أمر بها، ولغة تنزيل أمّ الكتاب لشريعته، ولغة أصول أحكامه الّتي ترسي قواعد نَظْم الحضارة العالميّة المقبلة مع أنّ العربيّة لم تكن لغة قومه. ورغم أنّ حضرته لم يتعلّمها على يد أحد، تشهد آثاره المباركة – وفي مقدّمتها الكتاب الأقدس ذاته – على مدى تمكّنه منها، وهيمنته عليها، وضلاعته فيها. ولم يكتفِ حضرته بتملّك زمامها فحسب، بل جاء أسلوبه فيها متميّزاً عن الجاري والمألوف بروحانيّة طابعه، ولفظه السّلس، وبلاغته الممتنعة، دون أن يخلو من الإبداع والتّجديد، وقد فضّل حضرته استعمال اللّغة العربيّة في الكثرة الغالبة من آثاره، واستحسنها بوجه خاص في الألواح الّتي يقتضي عرض مطالبها الأساسيّة عمق المعنى ودقّة التّعبير، كما حبّذ اختيارها كلغة عالميّة يتحدّث بها البشر جميعاً.

وممّا لا شكّ فيه أنّ نشر هذا الكتاب المقدّس على نطاق عالميّ، باللّغة الّتي أُنزل بها، واللّغات الّتي تُرجم إليها، في زمن يقارب نهاية القرن الأوّل لصعود صاحبه، هو حدث هامّ لا نظير له في تاريخ الأديان، ولا بدّ أن يُسفر عن آثار بعيدة المدى في حياتنا الفرديّة والجماعيّة على السّواء.

لقد تردّى عالمنا الحاضر في الأعماق السّحيقة المظلمة لعصر تغيّرت فيه القيم والموازين تغيّراً جوهريّاً على نحو يفوق كلّ ما عرفته البشريّة في منحنيات تاريخها المضطرب. وتواجه شعوب العالم اليوم – من أيّ أمّة كانوا، وإلى أيّ عرق انتموا، وبأيّ دين دانوا – تحدّياً صارخاً لاعتبار التّشبّث بأيّ ولاء محدود – مهما كانت أهميّته في الماضي – هو اليوم في مرتبة تالية لشأن أعظم يتمثّل في اتّحاد من على الأرض، والنّظر إلى المصالح الحيويّة للبشريّة كأسرة مترابطة. هذا ما يمليه منطق إدراك متزايد للحقيقة الّتي لا محيص عنها اليوم: إنّ القدرة على مواجهة المشاكل الكأداء الّتي تواجه كافّة الأمم، والسّعي لتحقيق سعادة البشر وأمنهم، أصبحا رهناً بتضافر جهود الشّعوب المختلفة، وتوحيد الرّؤى على نطاق عالميّ، إيماناً بأنّ الأرض خُلقت وطناً لبني آدم جميعاً. والشّواهد كلّها تؤكّد ما أعلنه حضرة بهاء الله منذ ما يزيد على قرن: "لا يمكن تحقيق إصلاح العالم وراحة الأمم إلاّ بالاتّحاد والاتّفاق". ]مترجم[
وصف الكتاب الأقدس
بقلم حضرة وليّ أمر الله في تأريخه القرن البهائيّ الأوّل
مترجم من كتاب God Passes By

كان إعلان أمر الله فريداً في روعته وجلاله، ومع ذلك لم يكن – كما اتّضح فيما بعد – سوى تمهيد لفيض أعظم تجلّت فيه القدرة الخلاّقة لصاحب هذا الظّهور – وهو ما يمكن أن يُعتبر بحقّ أبرز أثر من آثار دورته – ألا وهو تنزيل الكتاب الأقدس الّذي سبق أن ألمح إليه كتاب الإيقان، فهو مصدر الشّريعة الّتي تنبّأ بها "إشعياء" النّبيّ، والّتي وصفها "يوحنّا اللاّهوتيّ" في رؤياه بأنّها "السّماء الجديدة"، و"الأرض الجديدة"، وبأنّها "مسكن الله مع النّاس"، و"المدينة المقدّسة"، و"العروس"، و"أورشليم الجديدة النّازلة من السّماء". ذلك الكتاب الّذي ستبقى أحكامه سارية إلى ما لا يقلّ عن ألف سنة، والّذي سيسود نظامه الكوكب الأرضيّ بأسره كتاب جدير بأن يُعتبر بحقّ أعظم ما فاض به إلهام حضرة بهاء الله، وأمّ الكتاب لدورته، ودستور نظامه العالميّ الجديد.

أنزل الكتاب الأقدس عقب انتقال حضرة بهاء الله إلى بيت "عودة خمّار" حوالي عام 1873م، بينما كان حضرة بهاء الله ما يزال محاطاً بالشّدائد الّتي عاناها مما اقترفه كلّ من أعدائه والمنتسبين المزعومين لدينه. ويقف هذا السّفر الجليل – بفضل ما يلقيه في

الرّوع من مبادئ، وما يأمر به من نظم إداريّة، وما يسنده إلى مركز العهد والميثاق من مهامّ ومسؤوليّات – يقف بين الكتب المقدّسة في العالم سفراً منعدم النّظير، وكنزاً زاخراً بالدّرر البديعة لهذا الظّهور. فخلافاً للعهد القديم وما سبقه من الكتب المقدّسة الّتي جاءت خلواً من كلمات الرّسل أنفسهم، وخلافاً للأناجيل الّتي لم تقدّم كلماتها القليلة المنسوبة إلى يسوع المسيح نهجاً واضحاً لتصريف شئون دينه مستقبلاً، وحتّى خلافاً للقرآن الّذي مع صراحته فيما يتعلّق بالأحكام والأوامر الّتي سنّها رسول الله، التزم الصّمت في موضوع الخلافة مع أهمّيّته البالغة – خلافاً لهذه الكتب المقدّسة كلّها – فإنّ الكتاب الأقدس المنزّل من بدايته إلى نهايته بكلمات المظهر الإلهيّ نفسه لم يحفظ للأجيال القادمة الأحكام والأوامر الأساسيّة الّتي يجب أن يشيّد عليها صرح نظامه العالميّ المقبل فحسب، بل نصّ – علاوة على مسؤوليّة التّفسير الّتي أسندها إلى خليفته – على النّظم والهيئات الضّروريّة الّتي بها وحدها يمكن الحفاظ على وحدة شريعته الغرّاء وتماسكها.

في دستور الحضارة العالميّة المقبلة هذا، أعلن الدّيّان، والمخلّص، والمؤلّف بين قلوب البشر، والمشرّع لأحكام الله، مجيء "النّاموس الأكبر" إلى ملوك الأرض وسلاطينها، وأسماهم "المماليك"، ونادى نفسه "مالك الملوك"، ونفى أيّ قصد للاستيلاء على ممالكهم، واختصّ نفسه بقلوب عباده، وحذّر رؤساء الدّين في العالم من أن يقيسوا كتاب الله بما لديهم من موازين، وأكّد أنّ

كتاب الله هو "قسطاس الحقّ بين الخلق"، وأمر فيه بتأسيس "بيت العدل"، وحدّد وظائفه، وعيّن موارده، وسمّى أعضاءه "رجال العدل"، و"وكلاء الله"، و"أمناء الرّحمن"، ونوّه بمن سيصبح "مركز العهد والميثاق"، وخوّله حقّ تفسير آثاره المقدّسة، وأشار ضمناً إلى نظام ولاية الأمر، وشهد بالتّغيير الجذريّ الّذي سيحقّقه نظامه العالميّ، وأعلن أن للمظهر الإلهيّ "العصمة الكبرى"، وأبان أنّ هذه العصمة هي من الصّفات الملازمة لمن يبعثه الله، ولا يشاركه فيها غيره، وأكّد استحالة مجيء مبعوث إلهيّ آخر قبل انقضاء ما لا يقلّ عن ألف سنة.

وعلاوة على ذلك، فرض في هذا الكتاب الصّلاة، وحدّد وقت الصّوم ومدّته، ورفع حكم الصّلاة جماعة إلاّ في صلاة الميّت، وعيّن القبلة، وسنّ حقوق الله، وشرّع أحكام المواريث، وأمر بإنشاء مشارق الأذكار، وثبّت الضّيافة التّسع عشريّة والأعياد البهائيّة وأيّام الهاء، وألغى نظام الكهنوت، وحرّم الرّقّ والرّياضات الشّاقة والتّسوّل والرّهبنة والتّكفير عن الخطايا وصعود المنابر وتقبيل الأيدي، ومنع تعدّد الزّوجات، وأوصى بالرّفق بالحيوان، ونهى عن التّكاسل والتّواكل والغيبة والافتراء، واستهجن الطّلاق، وحرّم القمار وتعاطي الأفيون والخمر وغيره من المسكرات، وحدّد عقوبة القتل العمد وإحراق البيوت والزّنا والسّرقة، وأبرز أهمّيّة الزّواج وعيّن شروطه الأساسيّة، وأوجب الاشتغال بحرفة أو مهنة، ورفع قدر الاشتغال بأحدهما إلى مرتبة العبادة، وأكّد ضرورة تعليم الأطفال، وكلّف كلّ

شخص بكتابة وصيّة، وأوجب ضرورة طاعة الحكومة.

إلى جانب هذه الأحكام، دعا حضرة بهاء الله أتباعه ليعاشروا أهل جميع الأديان بالرّوْح والرَّيحان دون تفرقة أو تمييز، وحذّرهم من التّعصّب والفتنة والغرور والجدال والنّزاع، وأمرهم بالنّظافة التّامة والصّدق المطلق والعفّة الخالصة والجدارة بالثّقة ودماثة الخلق والكرم والوفاء والصّبر والعدل والإنصاف، وأوصاهم بأن يكونوا "كالأصابع في اليد" و"الأركان للبدن"، وأهاب بهم أن ينهضوا لخدمة أمره، ووعدهم بنصره المبين. وفضلاً على ذلك، فقد أسهب في بيان عدم استقرار شئون البشر، وأعلن أن الحرّيّة الحقّة هي في امتثال الإنسان لأوامر الله، وحذّرهم مغبّة التّهاون في العمل بأحكامه وحدوده، وفرض الواجبين المتلازمين: أيّ "عرفان مشرق الوحي" واتّباع "ما أمر به من لدى المقصود"، مؤكّداً أنّهما معاً "لن يقبل أحدهما دون الآخر".

إنّ الدّعوة خطيرة الشّأن الّتي وجّهها إلى رؤساء جمهوريّات القارّة الأمريكيّة ليغتنموا الفرصة المتاحة لهم في يوم الله ويناصروا أمر العدل، والنّداء الّذي وجّهه إلى أعضاء المجالس النّيابيّة في العالم يحثّهم على الاتّفاق على لسان وخطّ عموميّين، والإنذار الّذي بعثه إلى ويلهلم الأوّل قاهر نابليون الثّالث، واللّوم الّذي وجّهه إلى فرانسوا جوزيف إمبراطور النّمسا، وإشارته إلى حنين برلين في خطابه "لشواطئ نهر الرّين"، وإدانته "لكرسيّ الظّلم" الّذي استقرّ في الآستانة، ونبوءته بزوال "زينتها الظّاهرة" والشّدائد المقدّر أن تنزل

بأهلها، وعبارات التّشجيع الّتي واسى بها مسقط رأسه – أرض الطّاء – مؤكّداً أنّ الله قد اختارها لتكون "مطلع فرح العالمين"، ونبوءته بارتفاع "صوت رجال من خراسان" تمجيداً لربّهم العليّ المتعال، ووعدُه بظهور رجال "أولي بأسٍ شديد" في كرمان يمجّدون ذكره، وأخيراً تأكيده الشّهم لأخٍ غادر سبّب له الكثير من الآلام بأنّ الله "الغفور الكريم" سيغفر له مظالمه إن تاب وأناب – كلّ ذلك أضاف غزارةً إلى فحوى كتاب أسماه منزّله "فرات الرّحمة بين البريّة"، و"قسطاس الهدى بين الورى"، و"الصّراط الأقوم"، و"محيي البشر".

وصف حضرة بهاء الله الحدود والأحكام الّتي تشكّل الموضوع الرّئيس لذلك الكتاب بكونها "روح الحيوان لمن في الإمكان"، و"العروة الوثقى"، و"أثمار شجرته"، و"السّبب الأعظم لنظم العالم وحفظ الأمم"، و"مصباح الحكمة والفلاح"، و"عَرْف قميصه"، و"مفاتيح رحمته" للبريّة. وشهد لذلك الكتاب بقوله: "إنّ الكتاب هو سماء زيّنّاها بأنجم الأوامر والنّواهي". كما تفضل أيضاً بقوله:
"طوبى لمن يقرأه ويتفكّر فيما نزّل فيه من آيات الله المقتدر العزيز المختار، قل يا قوم خذوه بيد التّسليم ... لعمري قد نزّل على شأن يتحيّر منه العقول والأفكار، إنّه لحجّة العظمى للورى وبرهان الرّحمن لمن في الأرضين والسّموات".

ويتفضّل مرّة أخرى بقوله في شأن أحكامه:
"طوبى لذائقةٍ يجد حلاوتها، ولذي بصرٍ يعرف ما فيها، ولذي قلبٍ يطّلع برموزها وأسرارها، تالله يرتعد ظهر الكلام من عظمة ما نزّل والإشارات المقنّعة لشدّة ظهورها".
ويتفضّل في مكان آخر بقوله:
"نزّل الكتاب الأقدس بحيث جاء جاذباً وجامعاً لجميع الشّرائع الإلهيّة. طوبى للقارئين! طوبى للعارفين! طوبى للمتفكّرين! طوبى للمتفرّسين! لقد نزّل بانبساط وشمول واتّساع بحيث أحاط بالنّاس أجمعين من قبل إقبالهم عليه. سوف يظهر في الأرض سلطانه ونفوذه واقتداره". (مترجم)

_________________



امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى