جناحا الإنسانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جناحا الإنسانية

مُساهمة  راندا شوقى الحمامصى في الأحد سبتمبر 27, 2009 3:38 pm

لقد آن للفكر الانساني المعاصر أن يتحرر من سلاسل أوهام وخرافات وترّهات كبّلته عن الطيران في فضاء الحقائق الدينية والعلمية ليجد فيهما التوافق التام، ذلك لأن الحقيقة واحدة لا تتجزأ، والنزاع القائم بينهما آيل للزوال لأن منشأه عدم الفهم لا الحقيقة نفسها وسبب ذلك الجهل والتعصب والطمع والاستئثار والغطرسة والأنانية والاستبداد بكل عناد وقسوة وغيرها من الأسباب الخارجة عن جوهر الحقيقة الدينية والعلمية كليهما. ولا بد لكل عالم أو فيلسوف عمل لخير الإنسانية بعلمه أن يكون ذلك ثمرة التوجه الديني الذي أنار عقولهم، فعملت القوتان معاً وصنعتا للانسان ما يؤمّن له ازدهار حياته في كثير من جوانبها.
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم... - القرآن الكريم، سورة فصّلت، الآية ٥٣
هل العلم الحقيقي على خلاف مع الدين الحقيقي؟ إذا أقصينا الدين عن المفاهيم العلمية الصحيحة فما النتيجة؟ وإذا رسمت لنا العلوم درب الحياة دون الدين فما هي التَّبِعات؟
علم بلا دين دمار وهلاك. دين بلا علم ترّهات وخرافات.
أكدَّ حضرة حضرة بهاءالله بأنّ الطاقات الفكرية والعقليـة للإنسان هي مواهب من الله العلي القدير، والعلم هو نتاج الاستخدام المنظم للقوى العقلية. وعليه فنّ الحقائق العلمية هي حقائق مكتشفة بينما الحقائق الدينية هي حقائق منزلة وهي التي أرانا الله إياها دون أنْ نكتشفها بأنفسنا. ويؤمن البهائيون بأنّ الله الواحد الأحد هو الذي أنزل الحقائق الدينية وهو الذي أوجد الفكر والعقل من أجل الاكتشافات العلمية. وعليه لا تناقض بينها لأنّ موجدها جميعها واحد.
أمَّا التناقض الظاهري بين العلم والمعتقدات الدينية التقليدية فهو من صنع الإنسان المعرض للخطأ والغطرسة. وعلى مر القرون تخلل مختلف الأنظمة الدينية تحريف وتغيير بالتدريج مما عكر صفاء تلك التعاليم والمبادئ الأساسية التي أتى بها مؤسسو الأديان. ومع مرور الزمن أصبح من الصعب التمييز بين ما هو محرّف وما هو أصيل، وعلى نفس المنوال نرى أنّ النتائج المستقاة من بعض مدارس العلم والمعرفة غير الرصينة أصبحت أكثر جاذبية وشعبية من النتائج الحاصلة من الأبحاث العلمية الدقيقة والمعتبرة مما أدى ذلك إلى تشويش الحقيقة. وقد أكد حضرة عبدالبهاء بأنّ الدين والعلم في الواقع مكمّلان لبعضهما البعض. وفي سياق هذا الموضوع قال حضرته:
الدين والعلم جناحان يطير بهما الإنسان إلى العُلا وبهما تترقى الروح الإنساني. فمن المستحيل الطيران بجناح واحد، فإذا ما طار الإنسان بجناح الدين وحده فسرعان ما يقع في مستنقع الوهم والخرافة، وإذا ما طار بجناح العلم وحده فسيقع في وهدة المادية التي تحول دون تقدمه. نّ جميع الأديان في وقتنا الحاضر قد وقعت ضحية التقاليد والأوهام بعيداً عن حقيقة التعاليم التي جاءت بها وعن ثمار الاكتشافات العلمية لهذا العصر. - من الخطب التي ألقاها حضرة عبدالبهاء أثناء وجوده في فرنسا - باريس يوم ۱۲ تشرين الثاني من عام ١٩١١، مترجمة
وفي فقرة أخرى من خطب حضرة عبدالبهاء في أوربا وأمريكا أكد حضرته بأنّ نتيجة توافق العلم والدين هي تقوية وتعزيز الدين وليس ضعفه مثلما يتخوفه المدافعون عن الدين:
لهذا يجب على الدين والعلم أن يتطابقا. أنّ جميع هذه التقاليد التي لدى الأمم نظراً لكونها مغايرة للعلم والعقل فإنّها سبب للخلاف والوهم لهذا يجب أنْ نتحرى حقيقة كل موضوع وإن تَحَقَّقَ ذلك فإنّ جميع الأديان تصبح ديناً واحداً لأنّ أساسها حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة لا تتجزأ. - الدين البهائي، ص ١٤٢-١٤٣
يخبرنا حضرة عبدالبهاء بقوله:
... إن الدين والعلم توأمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، فهما للإنسان بمثابة الجناحين للطائر يطير بهما، ومن الواضح أن جناحاً واحداً لا يكفي للطيران، وكل دين يتجرد من العلم فهو تقليد لا اعتقاد، ومجاز لا حقيقة، ولذلك كان التعليم فريضة من فرائض الدين. - خطب عبدالبهاء في أوروبا وامريكا، ص٨١
... فإذا وجدت مسألة من مسائل الدين لا تطابق العقل والعلم كانت هذه المسألة وَهْماً. لأن الجهل ضد العلم. فإذا كان الدين ضد العلم فهو جهل. وإذا كانت هناك مسألة تخرج عن طور العقل الكلي الإلهي فكيف نتوقع أن يقنع بها الإنسان، إذ إنه لو فعل ذلك لسمينا ذلك اعتقاد العوام. أما الأساس الذي وضعه جميع الأنبياء فهو الحقيقة، وهي واحدة ومطابقة بأكملها للعلم. فوحدانية الله مثلاً، أليست مطابقة للعقل؟ والروحانية الإنسانية أليست مطابقة للعقل؟ والنية الصادقة والصدق والأمانة والوفاء أليست مطابقة للعقل؟ والثبات والاستقامة والأخلاق الحميدة أليست مطابقة للعقل؟ إذا فجميع أحكام الشريعة الإلهية مطابقة للعقل. وتفصيل ذلك أن الدين منقسم إلى قسمين: أحدهما يتعلق بالروحانيات وهو الأصل. والقسم الثاني يتعلق بالجسمانيات أي المعاملات. أما القسم المتعلق بالروحانيات والإلهيات فإنه لم يتغير ولم يتبدل، وبه بعث جميع الأنبياء الذين أسسوا فضائل العالم الإنسانى، بمعنى أن قبسا من شمس الحقيقة سطع على عالم الأخلاق فأضاءها وهطل غمام العناية، فازدهرت حديقة الحقيقة وأينعت. وهذا أساس رسالة جميع الأنبياء وهو يتعلق بعالم الأخلاق والمعرفة، وهو واحدٌ لا يتغيّر، إذ الحقيقة لا تتعدّد ولا تقبل التعدد. أما القسم الثاني من الدين الإلهي – وهو المتعلق بالأجسام والأحكام فإنه يتغير ويتبدل بمقتضى الزمان والمكان... أما أساس دين الله فهو الأخلاق وإشراق نور المعرفة والفضائل الإنسانية. وكل ملة ترتقي إذا تحسنت أخلاقها، كما أن تهذيب الأخلاق مطابق للعقل، ولا خلاف في ذلك أبدا. لذلك إذا كان الدين مخالفا للعقل فهو أوهام، وهذه أيضاً مسألة من مسائل وتعاليم بهاءالله. فطابقوا إذن جميع عقائدكم على العلم حتى يتفق العلم والدين، ذلك لأن الدين هو أحد جناحي الإنسان والعلم هو الجناح الآخر والإنسان يطير بجناحين ولا يستطيع أن يطير بجناح واحد. أما جميع تقاليد الأديان فهي مخالفة للعقل والعلم ولحقيقة الأديان، ومن هذه التقاليد نشأت المفاسد التى أصبحت سببا للعداوة والبغضاء بين البشر، ولو طابق الناس بين الدين والعلم لظهرت الحقيقة، ولأصبح ظهور الحقيقة سببا لإزالة الخلاف ولزال البغض الديني بل لاختلط جميع البشر مع بعضهم البعض بنهاية الألفة والمحبة. فركزوا أفكاركم إذن على تطبيق العلم على الدين، وتطبيق الدين على العلم. - خطب عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا، ص١٧١-١٧٣
... إذن يجب علينا نحن أن نتخلى عن هذه الأوهام ونتحرّى الحقيقة. فكل ما نراه مطابقاً للحقيقة نقبله وكل ما لا يصدقه العلم ولا يقبله العقل فهو ليس بحقيقة بل تقاليد، وهذه التقاليد يجب نبذها ويجب التمسك بالحقيقة فلا نقبل الدين الذي لا يطابق العقل والعلم. وحينما يتم هذا لا يبقى اختلاف بين البشر إطلاقاً ونصبح جميعا ملةً واحدةً وجنساً واحداً ووطناً واحداً وسياسةً واحدةً وإحساساتٍ واحدة وتربيةٍ واحدة. - خطب عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا، ص٣١٧-٣١٨
فالدين والعلم معاً بغاية التوافق والانسجام هما عجلة تقدم الإنسانية في صنع حضارتها وازدهارها في ظل السلام والاطمئنان.
بالعلم والدّين تميّز الإنسان على سائر المخلوقات، وفيهما يكمن سرّ سلطانه، ومنهما انبثق النّور الّذي هداه إلى حيث هو اليوم، وما زالا يمدّانه بالرّؤية نحو المستقبل. العلم والدّين سبيلان للمعرفة. فالعلم يمثل ما اكتشفه عقل الإنسان من القوانين الّتي سنّها الخالق لتسيير هذا الكون، وأداته في ذلك الاستقراء: فيبدأ بالجزئيّات ليصل إلى حكم الكلّيّات. والدّين هو ما أبلغنا الخالق من شئون هذا الكون، ونهجه في تفصيل ذلك هو الاستنتاج: استنباط حكم الجزئيّات من الكلّيّات. فكلاهما طريق صحيح إلى المعرفة، ويكمّل أحدهما الآخر، ولعلّ اختلاف الدّين عن العلم ناتج عن فساد أسلوب مِراسنا، لأنّهما وجهان لحقيقة واحدة.
طالما تعاون العلم والدّين في خلق الحضارات وحلّ ما أشكل من معضلات الحياة. فالدّين هو المصدر الأساسيّ للأخلاق والفضائل وكلّ ما يعين الإنسان في سعيه إلى الكمال الرّوحانيّ، بينما يسمح العلم للإنسان أن يلج أسرار الطّبيعة ويهديه إلى كيفيّة الاستفادة من قوانينها في النّهوض بمقوّمات حياته وتحسين ظروفها. فبهما معًا تجتمع للإنسان وسائل الرّاحة والرّخاء والرّقي مادّيًّا وروحانيًّا. هما للإنسان بمثابة جناحي الطّير، على تعادلهما يتوقّف عروجه إلى العُلى، وعلى توازنهما يقوم اطّراد فلاحه. إن مال الإنسان إلى الدّين دون العلم، سيطرت على فكره الشّعوذة والخرافات، وإن نحا إلى العلم دون الدّين، سيطرت على عقله المادّيّة، وضعف منه الضّمير. واختلافهما في الوقت الحاضر هو أحد الأسباب الرّئيسيّة للاضطراب في المجتمع الإنسانيّ، وهو اختلاف مرجعه انطلاق التّفكير العلميّ حرًّا، مع بقاء التّفكير الدّينيّ في أغلال الجمود والتّقليد.
avatar
راندا شوقى الحمامصى

عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 27/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى