العلاقة بين الإنسان والطبيعة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العلاقة بين الإنسان والطبيعة

مُساهمة  راندا شوقى الحمامصى في الأحد سبتمبر 27, 2009 3:19 pm

العلاقة بين الإنسان والطبيعة معقدة جدا وأي تقدير لأبعاد هذا الموضوع يتطلب عدة اعتبارات لبعض الخصائص المميزة للطبيعة وكذلك الوعي والإدراك بقيم واتجاهات معينة ترشد سلوك الفرد وتأسيس الأولويات .

أن الجسم البشري في هذا العالم فهو من ناحية الشكل الخارجي مكون من مختلف الأطراف والأعضاء وهو في الحقيقة متكامل إلي حد بعيد ذو كينونة متلاصقة يماثل تركيب العالم المادي ويشبه الكائن الواحد والذي أطرافه وأعضاؤه متصلة سويا بطريقة لا انفصال لها.
وإذا اتيح لأحد أن يلحظ بعينه اكتشاف حقائق كل الأشياء فقد يصبح من الواضح له العلاقة العظمي التي تربط عالم الكائنات سويا والذي يقع في مجال الأشياء المخلوقة ذاتها وأن التعاون والمساعدة المشتركة والعلاقة المتبادلة ذات خصائص أساسية في الهيكل المتوحد لعالم الكائنات نظرا لأنه كما أن كل الأشياء مخلوقة متصلة عن قرب سويا وكل منها متأثر بالآخر ويستمد الفائدة من ذلك سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة وإذا ما أخذنا في الاعتبار مثلا كيف أن مجموعة واحدة من الأشياء المخلوقة المؤلفة من مملكة النبات والأخرى من عالم الحيوان فكل من هاتين المجموعتين تستفيدان من عناصر معينة في الهواء التي تعتمد عليه حياتهما بينما كل منهما تزيد أو تنقص من كمية عناصر كهذه حيث أنها ضرورية لحياة الأخرى وبمعني آخر نجد أن نمو وتقدم عالم النبات مستحيل بدون وجود المملكة الحيوانية وأن المحافظة وصيانة حياة الحيوان لا يمكن تصورها بدون التعاون مع مملكة النبات وبمثل هذا التشبيه توجد العلاقات الموجودة بين كل المخلوقات ومن ثم فقد أصبح من المقرر أن العلاقة المتبادلة هي من الخصائص الأساسية والتي بدونها قد ينزل الحال وينحط الخلق بأكمله إلي مرحلة العدم .
نلاحظ أن الترابط الداخلي لكل جزء في الكون له أهميته في الحفاظ وصيانة توازن النظام فإذا أمعن النظر في الحقائق الكونية وسر حكمتها ورموزها وروابطها وضوابطها فسنجد الكون مرتبط من جميع الجهات ربطا قويا لا يجوز الخلل والفتور فيه بوجه من الوجوه .
فعالم الظواهر الحسية خاضع تماما لقاعدة وسيطرة القانون الطبيعي ويكشف عن وجوه الاختلاف المناقضة في التنظيم المطلق للطبيعة وعن أوجه النقص العقلاني وعن إرادة وقدرة الإنسان في أن يسيطر ويهيمن علي قوي الطبيعة من خلال اكتشافه لقوانين الأشياء ومقوماتها .
" إن الطبيعة .. خاضعة لنظم صحيحة وقوانين ثابتة وترتيبات كاملة وهندسة بالغة لا تتجاوزها أبدا إلي درجة أنك لو تلاحظ بنظر دقيق وبصر حديد تجد أن الكائنات في عالم الوجود من الذرات غير المرتبة إلي أعظم الكرات الجسيمة ككرة الشمس وسائر النجوم العظيمة والأجسام النورانية في نهاية درجة الانتظام سواء من حيث الترتيب أو التركيب أو من حيث الهيئة أو الحركة , وتراها جميعا تحت قانون كلي واحد لا تتجاوزه أبدا .
وإذا نظرت إلي الطبيعه ذاتها تجدها بلا شعور ولا إرادة فمثلا النار طبيعتها الإحراق وتحرق بلا إرادة ولا شعور والماء طبيعته الجريان ويسيل بلا إرادة ولا شعور والشمس طبيعتها الضياء وتضئ بلا إرادة ولا شعور والبخار طبيعته الصعود ويصعد بلا إرادة ولا شعور ويتضح من هذا أن الحركات الطبيعية لجميع الكائنات جبرية , ليست لكائن ما حركة إرادية سوي الحيوان ولا سيما الإنسان فالإنسان يقدر علي مخالفة الطبيعة ومقاومتها , لأنه كشف طبائع الأشياء وبذلك يحكم علي الطبيعة وأن ما وصل إليه من الاختراعات والصنائع كانت نتيجة كشفه النقاب عن طبائع الأشياء كاختراعه البرق ( التلغراف ) الذي اتصل به الشرق والغرب , ومن هذا نعلم أن للإنسان سلطانا وحكما علي الطبيعة . فهل يمكن أن يقال أن تلك النظم والترتيبات والقوانين التي نشاهدها في الوجود هي تأثيرات الطبيعة , مع أنها لا إدراك لها ولا شعور ؟ إذا فالطبيعة ليس لها إدراك ولا شعور وهي في قبضة الحق القدير , المدبر لعالم الطبيعة ويظهر منه ما يشاء .
نجد أن التغيير هو القانون الحاكم علي الخلق المادي وكما تري في النص الآتي عن فصول السنة . فحينما نتأمل فى الطبيعة نجد:
الأرض في حركة ونمو فالجبال والتلال والبراري خضراء تبعث علي السرور والسخاء الوافر في تدفق فياض , والرحمة الكونية والمطر نازل من سحاب الرحمة , والشمس الساطعة تشرق , والبدر يزين السماء , وحركات المد والجزر للمحيط تفيض مع جريان الماء والمنح والهبات متتالية والأفضال متعاقبة والنسيم المنعش يهب وينطلق شذي أريج تفتح الأزهار , كنز بلا حدود في يد ملك الملوك أرفع عنك حاشية ثوبك لتتلقاه .
وعاجلا سوف يتغير كل العالم كما يتغير الربيع من كسوة العالم وتتحول وتتساقط أوراق الخريف الماضي , وبرد الشتاء القارص وانتهي فقد ظهرت السنة الجديدة مع الربيع الروحاني الذي أصبح في متناول الإمكان وأصبحت الأرض السوداء جنة خضراء والصحاري والجبال تنتج وتمتلئ بالزهور الحمراء وعلي أطراف البرية تقف الحشائش أشبه بحارس متقدم أمامي لأشجار السرو الصنوبري ولأشجار الياسمين , بينما الطيور تغني بين أغصان الورد مثل الملائكة في أعالي السموات معلنة البشارات لاقتراب الربيع الروحاني والموسيقي العذبة المنبعثة من أصواتهم تجعل جوهر روح كل الأشياء تتحرك وتهتز .
أن الراحة المطلقة غير موجودة في الطبيعة لأن الحركة أساسية لوجودها وبقائها وبالنسبة لوجودها توصف بأنها عمليات تركيب وعمليات تحلل :
وإذا نظرنا نحن إلي الكون والفساد والوجود والعدم وجدنا أن كل كائن مركب من أجزاء متنوعة متعددة , وأن وجود الشيء ناتج عن التركيب بمعني أن الإيجاد الإلهي إذا أحدث تركيبا معينا بين العناصر البسيطة تشكل من هذا التركيب كائن معين وجميع الوجودات علي هذا المنوال . فإذا حدث في هذا التركيب خلاف أو تحللت أجزاءه وتفرقت أنعدم هذا الكائن , ومعني ذلك أن انعدام الشيء ناتج عن تحليل عناصره وتفرقها , وعلي هذا فكل تركيب وتآلف يتم بين العناصر هو سبب الحياة وكل اختلاف وتحلل وتفرق يدب بينها هو عله للممات وبالاختصار أن تجاذب الأشياء وتوافقها سبب لحصول النتائج المفيدة والثمار الطيبة , وأن تنافر الأشياء واختلافها سبب للاضمحلال والاضطراب .
فمن التآلف والتجاذب تتحقق جميع الكائنات ذات الحياة مثل النبات والحيوان والإنسان , ومن التنافر والخلاف يحصل الانحلال ويدب الاضمحلال ولهذا فإن كل ما ينتج عنه الائتلاف والتجاذب والاتحاد بين عامة البشر هو علة حياة العالم الإنساني , وكل ما ينتج عنه التنافر والاختلاف والتباعد هو علة ممات النوع البشري .
إن في العالم المادي تسير مرحلة التطور والنشوء في اتجاه مستويات زائدة التعقيد فنجد أن في الخلق المادي تنتقل مرحلة التطور والنشوء من درجة الكمال إلي درجة أخرى فالمادة المعدنية غير العضوية بكل ما لها من صفات الكمال المشبع بها المعدن تنتقل إلي النبات , والنبات بكل ما له من صفات الكمال تنتقل إلي عالم الحيوان وهكذا إلي عالم حياة الإنسان .
وعليه فإن الاختلاف والتنوع هو جوهر الكمال وسبب ظهور المنح والمواهب الإلهية ." لاحظوا أزهار الحدائق فمهما اختلفت نوعها وتفاوتت ألوانها وتباينت صورها وتعددت أشكالها إنها لما كانت تسقي من ماء واحد وتنمو من هواء واحد وترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإن تنوعها واختلافها يكون سببا في ازدياد رونقها وجمالها . وكذلك الحال إذا برز إلي حيز الوجود أمر جامع ـ وهو نفوذ كلمة الله ـ أصبح اختلاف البشر في الآداب والرسوم والعادات والأفكار والآراء والطبائع سببا لتربية العالم الإنساني .
أضف إلي هذا أن هذا التنوع والاختلاف سبب لظهور الجمال والكمال مثله في ذلك مثل التفاوت الفطري والتنوع الخلقي بين أعضاء الإنسان الواقعة تحت نفوذ الروح وسلطانها فإذا كانت الروح مسيطرة علي جميع الأعضاء والأجزاء وكان حكمها نافذا في العروق والشرايين كان اختلاف الأعضاء وتنوع الأجزاء مؤيدا للإتلاف والمحبة وكانت هذه الكثرة أعظم قوى للوحدة .
ولو كانت أزهار الحديقة ورياحينها وبراعمها وأثمارها وأوراقها وأغصانها وأشجارها من نوع واحد ولون واحد وتركيب واحد وترتيب واحد لما توفر لمثل تلك الحديقة أي رونق ولا جمال بأي وجه من الوجوه أما إذا تعددت ألوانها واختلفت أوراقها وتباينت أزهارها وتنوعت أثمارها تسبب كل لون في زينة سائر الألوان وابرز جمالها وبرزت الحديقة في غاية الأناقة والرونق والحلاوة والجمال .
إن امتداد التنوع في عالم المخلوفات يمكن تأكيده بهذه الرؤى:
" الأشكال والكائنات الحية لظواهر الوجود والبقاء في ممالك الكون ذات عناصر لا تعد ولا تحصي والمملكة النباتية علي سبيل المثال لها تنوعها اللانهائي من الأشكال والتراكيب المادية في حياة النبات ولكل منها تميزها الواضح المختلف في حد ذاتها فلا يوجد اثنان متشابهين تماما في التراكيب وفي تفاصيل الأجزاء ولا توجد مظاهر حافلة بالتكرارات في الطبيعة والميزة الزائدة لا يمكن أن تقتصر علي أي صورة أو شكل وكل ورقة شجر لها هويتها وشخصيتها بالذات لذا يمكن القول بأن لها فردانيتها المستقلة كورقة شجر "
أن الأسباب والظروف والملابسات لما يسمي ( بالكمال ) في عوالم المعادن والنبات والحيوان ويميز هذا بالفرق ( لازدهارها الحقيقي ) الذي يقود ويوصل إلي مقام الفخر لمختلف الممالك.
فشرف كل كائن من الموجودات وعلو درجته يتعلق بأمر ويرتبط بكيفية فشرف الأرض وزينتها وكمالها في اخضرارها وتجددها من فيض سحاب الربيع . إذ ينبت النبات وتتفتح الأزهار والرياحين وتثمر الأشجار وتمتلئ بالفواكه اللذيذة الشهية وتشكل الحدائق وتتزين الرياض وتلبس الحقول والجبال حلة خضراء وتتزين الحدائق والبساتين والمدن والقرى . فتلك هي سعادة عالم الجماد , وأما نهاية رقي عالم النبات وكماله فهو أن يرتفع قد الشجرة علي شاطئ جدول من الماء العذب بحيث يهب عليها النسيم العليل وتشرق عليها الشمس بحرارتها ويعتني البستاني بتربتها فيزداد نموها يوما فيوما حتى تؤتي ثمرها , أما سعادته الحقيقية ففي رقية إلي عالم الحيوان والإنسان بالاندماج فيهما بدل ما يتحلل من جسميهما , ورقي عالم الحيوان في تكامل أعضائه وقواه وجوارحه ووجود ما يحتاج إليه , هذا هو نهاية عزته وشرفه وعلويته , مثلا أن نهاية ما يسعد به الحيوان أن يكون في مرعي خصيب نضير , مياهه جارية وفي غاية العذوبة , أو في غابة نضرة في غاية الطراوة فإذا تهيأ له مثل هذا يتصور للحيوان سعادة فوق هذه السعادة ومثلا لو أن طيرا اتخذ عشا بغابة مخضرة في بقعة عالية لطيفة علي أعلي أفنان دوحة عظيمة وتوفر له كل ما يريد من حبوب ومياه فهذه هي السعادة الكلية للطير , ولكن سعادته الحقيقية في انتقاله من عالم الحيوان إلي عالم الإنسان كالحيوانات الذرية التي تحل في جوف الإنسان بواسطة الهواء والماء فتتحلل وتعوض ما يفقده جسم الإنسان , هذه هي نهاية عزة الحيوان وسعادته ولا يتصور له عزة بعد هذا .
هناك رؤيتان متناقضتان للطبيعة واحدة تدعم فكرة أن ( عالم الطبيعة كامل ) وواحدة أخرى تعلن أنها ( غير كاملة ) لأنها في حاجة إلي التفكير الذكي والتربية .
أن عوالم المعادن والخضراوات والحيوانات والبشر كلها في حاجة إلي تربية . الماديون متمسكون برأيهم أن عالم الطبيعة كامل , أما الفلاسفة الدينيون يعلنون أن عالم الطبيعة غير كامل وهناك فرق شاسع بين النظريتين والماديون يلفتون النظر إلي كمال الطبيعة لأن الشمس والقمر والنجوم والأشجار في زينتها والأرض كلها والبحار حتى الظواهر غير المهمة تكشف عن أعظم كمال للتناسق والتماثل وينكر الفلاسفة الدينيون هذا الكمال الظاهري أو اكتمال مملكة الطبيعة حتى مع تسليمهم بجمال المناظر والمظاهر والقبول بالقوى الكونية التي لا تقاوم التي تسيطر علي الشمس والكواكب الهائلة ويتمسكون بأنه بينما تبدو الطبيعة كاملة فإنها مع كل هذا ناقصة لأنها في حاجة إلي التفكير الذكي والتربية ويبرهنون علي ذلك بقولهم أن الإنسان ولو أنه يعتبر بمثابة رب مملكة الخلق المادي إلا أنه بذاته في حاجة إلي مربي فالإنسان الذي لم يتطور بالتعليم يعتبر همجيا وحيوانا وحشيا , فالقوانين والأنظمة والمدارس والكليات والجامعات غرضها ترويض وتوجيه الإنسان والنهوض به لإبعاده عن الحدود المظلمة المتاخمة لمملكة الحيوان.
لوأ معنا النظر في عالم الوجود تلاحظ أن عالم الجماد والنبات والحيوان والإنسان كلا وطرا في حاجة إلي مرب . فإذا لم يكن للأرض مرب يعهدها تصير غابة وتخرج نباتا لا فائدة فيه . أما إذا وجد لها من يتعهدها ويرعاها فإنها تؤتي أكلا يقتات به دووا الأرواح , إذا صار من المعلوم أن الأرض إلي تحتاج إلي عناية الزارع ورعايته لها , انظروا إلي الأشجار إنها تركت بدون مرب فإنها لا تأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة , أما إذا تربت وتعهدت فذلك الشجر غير المثمر يصبح مثمرا , وبالتربية والتلقيح والتطعيم تعطي الأشجار ذات الأثمار المرة فواكه شهية وهذه أدلة عقلية وأهل العالم اليوم في حاجة إلي الدلائل العقلية .
avatar
راندا شوقى الحمامصى

عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 27/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى