المنظورات الروحانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المنظورات الروحانية

مُساهمة  راندا شوقى الحمامصى في الأحد سبتمبر 27, 2009 3:08 pm

يجد الباحث عن الحقيقة في لحظات نادرة وقيِّمة أنه حصل على قمة من الرؤيا لها من القوة والشمول ما يقود و يبهج حياته العادية وطرقها المعتادة. إنه يرى بعيداَ؛ ويشعر عميقا؛ ويتفهم كثيراً: إنه يقف على قمة من التوجيه الفلسفي الوسيع ويجد نفسه موضوعاً في خريطة الوجود. في هذه الحالة تقترب الخطوط الرأسية نحو وعيه الواضح والمتألق ومن هذه الرؤيا الكونية تظهر وقفة فلسفية مثلها كمثل الطمأنينة الفكرية الدينية كلاهما لا يضاه ولا يهتز بل ثابت ومرضي. إنه الوئام اللامتناهى. هذه التجربة المتعالية يمكن أن تسمى بالمنظور الروحاني.
بهذا المنطق اعلم جيداً أننى أخلط بين المثل والغيب لأني أرغب في أن أظهر القرابة بينهما والربط الدموي بين الشعر والفلسفة. فهما الجناحان المتوازيان الذان يمنحان الدفع إلى مرتفعات النشوة للرؤيا الكونية.
يوجد نوع مميز من الأدب ملئ بالأمثلة والغيبيات ويخلط بينهم بصورة متكاملة جميلة. ذاك الأدب إن هو إلا أنبل ما نطق به رسل العالم العظام. كلماتهم تحيى في قلوب الناس لأنها تجمع بين الحقيقة والجمال. إنهم يقدمون الموازنة والشعور بالطمأنينة وسط الاضطراب والتعذيب الذي طالما حاولت معرفة سره. فكيف يمكن لبوذا وعيسى وبهاء الله وآخرين أن يظلوا في هدوء وحلاوة بينما يقاسون من التعذيب الفذ والحرمان فلأمر ما لم تمسهم الاضطرابات الدنيوية التي تأرق العقول الأقل درجة. ولكن كيف يمكن اعتبار المشاكل المؤلمة غير مهمة إلا بواسطة إخضاعها لمنظورات اكبر وأعم؟
ما هو المعنى الملموس الصلب للمنظورات الروحانية؟ لكى اشرح هذا ساختار مشاهد من كتابات المؤسسين للأمر البهائي التي لا تقدر بثمن. هذه الكتابات هي عبارة عن التحام لجمال الشعر ورؤية الدين. إنني كآخرين قبلى قد ذهلت بشمولها أجد فيها قوة خارقة تشد عن فكرى تلك الغياهب التي تعتمه وتفتح أمامي مرئيات للحقيقة والحياة.
إن الرؤيا المتسعة مألوفة في الرسومات الهندسية والرسومات الفنية. يقف أمامي مثل كامل وهو رسم ل Blending Sloan عليه عبارة (اثنان لا متناهيان مفتوح ومغلق). في قمة مرصعة بالنجوم في وسطها الأيسر ينفجر جهازان من خطوط يبدو وكأن لا نهاية له. وفي اتجاه اليمين يجرى إلى المدى طريق به ثمانية اتجاهات يتقاطع بها خطوط أخرى قوصيه تقترب مثل الأنابيب إلى نقطة الاختفاء في بعد عميق ما بعده إلا مجرد التصور. ويخرج من القمة ضوء حلزوني يزداد وسعا حتى يقفز إلي الخارج نحو اتساعٍ لا نهاية له. إن خيال الإنسان يستمتع بشدة إزاء هذا الحث على تصور أبعاد لا حد لها في كل اتجاه.

هذا الخلق المبهر إن هو إلا رمز ملموس لفكرة لا متناهية. إن الفكرة العامة للرحب الفسيح هي في الواقع خارجة عن الطبيعة وتجسيمها الرائع يأخذ إطار شاعرياً. هذان العنصران يلتحمان في وحدة لا تفرقة بينهما. وليس من المهم أن نقول بأن المشاعر تتفتح إلى فكرة اللانهائية أو أن فكرة اللانهائية تتجسم في شكل من المشاعر. في هذه الوحدة يتمثل المعنى الحقيقي للرؤيا الروحانية. إنه مركز للامتلاء أو الإفضاء بين عالمي الإحساس والروح. فبينما تتجه خطوط الرؤيا المادية إلى نقطة نهاية تنفتح الرؤيا الروحانية نحو عوالم للحياة الإنسانية والإلهية دائمة التوسع.
وبين هذين اللامتناهيين في رسم Sloan يقف الإنسان يهرش في رأسه غير ثابت الاتزان مرتبكا ومائلاً للهزل المضحك. كلما أتخيل هذا الشكل المضحك أتعجب كيف أنني مضحك في نظر الله وكمثل لهذا أذكر نملة حزينة ضاعت في أحد الطرقات أو ذبابة تتصادم مع النافذة لتحاول الهرب إنني طواق لأن اقبض على منظور كوني يخلصني من الضيق المضحك و عدم الجدوى.
يوجد منظورات من أنواع أخرى فإذ أن بدأت في العد الحسابي سرعان ما اكتشف أنه بإمكاني الاستمرار في هذا العد إلى ما لا نهاية على أن المتخصص في الرياضيات يخبرني بأنني إذا استطعت أن احدد العلاقة بين فترة ما وما جوارها من الجنبين فقد استطعت الحصول على مبدأ العد اللانهائي وبنفس المعنى فإني أستطيع بتحديد جوهر عدة نقاط من مياه المحيط أن احصل على مفتاح التكوين الكيميائي للبحار السبعة. ربما إذاُ يكون في الحياة الاجتماعية علاقات معينة بين الجيران يمكن تحديدها فتصبح العمل النافع الذي يسلكه الناس عامة ويصبح هذا بمثابة المبدأ السلوكي العام. وهذا أيضا نوعا آخرا من الرؤيا الروحانية.

هل يا ترى لا يوجد أشكال من السلوك ربما تكون من صنع عبقري نادر تشع على جميع الخلق بالخير أو بالبأس؟ من الجلي الواضح مثلا أنه لابد وقد وجد شخص بدأ عادة تدخين التمباك (التبغ) وإلا لما كن للتدخين مكانا بمثل ما هو شائع في جميع أركان العالم الآن. هذه رؤيا عملية لانتشار سلوك ما والتي بموجب ظاهره التقليد تموجت تقليديا إلى أطراف القارات. وبنفس الطريقة إذا فإني أعتقد أن المثل الأصلي الذي يظهر في كينونة رسول حقيقي عظيم يمكن أن يتقدم من شخص إلى شخص حتى يصل إلى أطراف الأرض كلها.
من هذه الاعتبارات السالفة الذكر يظهر طابعان أساسيان للرؤيا الروحية:-
1-إن أي رؤية من أي شكل لا يمكن أن تشع إلا بواسطة وجهة نظر فريدة من شخص معين. وجهة نظره هذه قد تشكلت وأخذت لونا أو فقدت لونا من تأثير القيم التي يعتز بها هو وأيضا طابع درايته إن قيمه الشخصية تعمل وكأنها عين لكيانه ولا يستطيع لأي شخص آخر أن يعاين العالم بواسطة منظوره العقلي ولا يمكنه أن يقف وراء نافذة كيان شخص آخر. لا يمكن لشخصين أن يشاهدا قوس قزح واحد في نفس الوقت وبنفس صورة لأنهم يشاهدونه من زوايا مختلفة. إن المنظور الروحي لا يوجد خارج الضمير الفردي فهو بذلك يعمل كأنه البؤرة الوسطية الذي تتحول فيها القيم والحقيقة إلى واقع جلي منير تماما مثل قطعة الماس التي تصبح النقطة التي من خلالها تعرض الطبيعة الداخلية للضوء وجماله. إن المنظور الروحي ينتج عنه تقوية عظيمة للوعي الفردي.
2- وإذ لا يمكن لأفراد متعددة أن يشاهدوا قوس القزح طبق الأصل في نفس الوقت إلا أنه يوجد عناصر مقارنة بين رؤيتهم مثلا في الألوان المتعددة المعكوسة في القوس. يمكننا أن نتحدث وأن نفكر في هذه الصفات وأن نشكلها في إطار مفهوم قوس القزح. وبهذا تنتقل الفكرة هذه وهي المحملة بالمعاني من عقل إلى عقل تدريجيا. حتى الأفكار الكبيرة التي تجتاح مشاهد آفاق الحقيقة هي أيضا قادرة على التجدد في وعي الإنسان بطريقة لا نهاية لها.

بهذا يتسنى بناء مجال عام للحقيقة يمكن لكل أذكياء العالم أن يتشاركوا فيه ففي عالم المجال يستطيع جسم واحد فقط أن يشغل مكان ما ولكن في عالم الأفكار تستطيع العقول أن تملك نفس الفكرة وفي نفس الحين بدون صراع أو تصادم وذلك لأن الأفكار تختلف عن الأشياء المادية بأنها تحمل خاصية روحية نفاذة. ولذلك فإني اعتقد أنها أعظم عجائب العالم. تفضل بهاء الله بالآتي: "ولذلك فإنه قد علم بأن أول ما اصبغ به صاحب القدرة هي الكلمة. استلامها وتقبلها هو واقع الفهم إن الكلمة هي المعلم الأول في جامعة الوجود وهي النقطة الأولى التي ظهرت من الله. كل الأسماء نابعة من اسمه والبدايات والنهايات لكل الأمور في قبضة يده" (Tablet to the Zoroastrians).
إن الرؤيا هي مثالية أو روحية في جوهرها تتكون من الفكر أو الروح فالحيوان العادي غير قادر على الرؤيا الروحانية فهو لا يستطيع أن يدرك مكانه نفسه في أي عالم خارج احساساته المباشرة لا يستطيع تخطيط مستقبله أو تقدير القيم. كل هذه المقدرات تحتاج إلى البعد الرابع للفكر ذو المعنى وهذا ما يفتقده لهذا فان الرؤية الروحانية هي من ناحية فريدة في تواجدها الشخصي وأيضا عامة من حيث مدى المعاني.
إن الخاصيتين للمعاني الروحية التي ذكرت الآن يشكلان وحدة حميمة. إن وصف هذه الوحدة جيدا يتطلب استخدام كل حد من حدود المجاز أو الاستعارة وكل فكر خارق للطبيعة. يمكن لبعض الرموز والمصورات أن تشبه الحقائق الفلسفية المتضمنة والخطوط المركزة علي نقطة واحدة بإمكانها أن تشع إلى مسافات متباعدة. كذلك الأفكار والمثاليات التي تظهر عن تجربة محددة في بؤرة حارقة. فهي بإمكانها أن تتضمن تكشفات لأوجه شاسعة للحياة.

هذا المفهوم أو الرؤيا التي أحاول أن أوصفها هي في نفس الوقت شخصية وعامة صلبة وربما أيضا فلكية في محملها. مظاهرها في التجربة فريدة ولكن المعنى هو ملك لكل من يأتي إليها. إن دفعة صلبة من الإحساس لا تعنى شيئا إلا إذا وضعت في إطار من الأفكار وأيضا فإن فكرة ما قد تكون تجريدا غير واضح لو لم تدخل في تقييم من الحقيقة الصلبة. الرؤيا الروحانية هي مثالية متجسدة في الوعي الشخصي وفي مفهوم آخر أو وصف آخر فهي الشكل الخلاق الذي يستيقظ الجسد من خلاله إلي عالم الروح اللاحد له.

إن نوع الوعي الذي أشير إليه هو ما أطلق عليه الفلاسفة اسم الصلابة العامة إنه التجربة الذي يطوق إليها ويبحث عنها الفلاسفة والشعراء علي حد سواء ألا وهي الحياة الشخصية الغنية والملتحمة مع البصيرة المثالية المترامية , وجود حي مضاء بفكر بعيد المدى , تجربة محددة موضوعة في إطار رؤية فلكية. إنه في هذا الشكل فقط يَكمن الحقيقة ليفهمها العقل الذكي. إن التناغم الشعري والبصيرة الفلسفية إنما يؤكدان أوجه مختلفة لهذا التركيب الوثيق للجمال والحقيقة.

إن المتدين الذكي في اعتقادي يسعى أيضا في تحقيق هذا التلاحم الواعي لما هو صلب و ما هو عام. إنه خبير في أن يري أي حركة معينة في إطار واسع يكون الله متمركزا في داخله فمثلا إذا أعطي كوب ماء منعش إلي مسافر أعياه التعب فهو يدرك إنه يفعل هذا باسم العلي المتعالي. والمتدين مثله كمثل بعض الشعراء والفلاسفة يتحلى بروح كونية واسعة النطاق وفعل صلب في نفس الوقت.
بيد أن المتدين الحقيقي العظيم وهو الرسول المغير فهو يقبل هاتين الصفتين بل ويجتازها بحيث يؤكدهما في شكل مهم وجديد فالحقيقة التي يتأملها الشاعر في صورة مليئة بالمشاعر والتي يخلقها الفيلسوف علي شكل مبدأ عام يقدمها الرسول في شكل طريقة عامة للفعل أو الحياة. فهو مثل الفيلسوف يملك توازنا ثابتا نابعا من رؤية كونية ويتقمص مثل الشاعر معتقداته في إطار المجازات الجميلة التي يلهم بها الناس ولكنه يضيف إليها عبقريته الخاصة المتميزة وهي رغبة عميقة ودافقة لكي يقود الناس بالمثل حتى يحققوا حياة أكثر ثراء. فلأنه قد اكتشف لنفسه مباهج طريق وافر وجديد فهو يطوق بكل أحاسيسه لكي ينقل إلى الآخرين ويشاركهم هذه الرؤيا الموحدة والخلاقة.
مختصر القول فإن الصفة المميزة للمتدين هي نوع من الحماس الإرسالى. إنه الممثل الحالم, الناقد البناء, القائد الأخلاقي والخالق لثروة من السلوكيات. إنه يقدم أشكال من الخلق يعتقد بكل اتزان وإخلاص أنها في صالح البشر.
إن المنحة والفرصة العظيمتان للدين هما أن تجعلا أشكال الحياة الرغده مرغوبة وفعالة لحشود الناس حتى تنتشر بذلك هذه المثاليات تدريجيا في أنحاء العالم وأرجاءه.
سأحاول فيما تبقي من هذا المقال أن أصف بعض المواقف والأشكال للحياة التي تبدو مستحقة للأخذ بها على نطاق عامة. حين أقترح أشكال أوصي بها الرسل البهائيون سأنعم بتعزيزهم لما أختاره.

لقد أشير مسبقاً إلي أنه من خلال أوجه نظر أفراد من الناس يحدث أن ينفذ منها عناصر فكر مشترك كمثل اللون والشكل لأقواس القزح. إن العامل المشترك يتشكل من هذه الأعجوبة المحيرة التي تسمي فكرة أو مفهوم وإذا تسائلنا كيف يمكن للناس أن يتعرفوا على الأفكار والحقائق العامة فإن الفلسفة النقدية تضطرني لأن أجاوب بالقول بأنه هبة من فكر سام أوحد. إنني لا أجد مصدراَ صالحا لتجسد الحقيقة العامة ويعرفه الناس غير الحكمة الإلهية التي تظهر للإنسانية في أشكال متباينة. إن الإيقان بهذه الحقيقة هو في الواقع أساس البصيرة الفلسفية الدينية أي أن تنفذ الرؤيا غير الأشياء لتصل إلى الله. هذه الإحاطة بما هو ألهي هي التي أطلق عليها مبهجا لفظ الوعي الكوني.
إن الكتابات البهائية مليئة بالأمثلة والمجازات المثيرة التي يحاول بها الرسل الشعراء أن يحددوا خاصية هذا الكيان الأسمى وهذه مختارات قليلة من احسن هذه تشبيهات: إن الله حاكم الوجود , رب العوالم كافة, الأساس الوحيد للحقيقة, الراعي للعالم, شمس الحقيقة, محيط الوجود الإلهي, بحر الكرم الإلهي, موقظي, رغبة العالمين, إن اللجوء إلى هذه الكتب يكشف عن مائة صفة مثيرة أو أكثر يمكن تطبيقها عليه تعالي. فقد تفضل عبد البهاء "لا يوجد شيئا مستحقا استحقاقا كاملا لتكريس قلوبنا بالمحبة سوي الحقيقة فكل شيء عدا ذلك أيل للفناء لذلك فالقلب لا يرتاح أبدا ولا يجد الغبطة الحقيقية والسعادة حتى يلازم الذات الأبدية فالإنسان لابد وأن يربط نفسه بالحقيقة المتناهية حتى يكون تقدمه وعظمته وسعادته أيضا بلانهاية إن الروح حقيقة وكل ما عداها كالظل لذلك فلنطوق جميعا للملكوت الإلهي حتى تثمر أعمالنا بالثمرة الأبدية".
إن أعمق أرضية لموقفنا الفكري وأكثرها تأكيدا هي الاقتناع بأن هيكل حياتنا الإنسانية هو في الواقع الفكر الكوني الودود.هذا الاعتقاد إذا قبل بكل حماس فإنه يؤثر ويبجل كل اتجاهاتنا نحو كل شيء آخر فإننا حين نستيقظ لرؤية الكون الذي نظم بواسطة الله وهو دائم الحكمة والفعالية نجد سلاما يفوق الوصف قد استحوذ على أرواحنا. إنه مثل شروق الشمس علي أرض داكنة غير واضحة يقع من خلالها تفاصيل المنظر الطبيعي في شكل واحد متكامل يجدر بنا بعد ذلك أن نتقدم بغبطة وثقة إلي مرحلتنا القادمة في رحلتنا المقدسة،في هذا المنظر المثبت للوجود نجد النقطة النهائية وهي الله والنقطة البدائية هي نفسي أنا وبهذا فأنا في سكينة و سرور.

إن المصدر الثاني للأمل وهدوء الفكر هو الاعتقاد بوحدة الجنس البشري. هذه الفكرة والمثالية هي من أهم صفات التعاليم البهائية وأبرزها. يعلن هورس هولي "إن جوهر الدين والعقيدة البهائية" "هو الديمقراطية الروحانية". وفي شعر خلاب يقول بهاء الله "يا أهل العالم إنتم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد وورود بستان واحد وقطرات بحر واحد فلتتخلقوا بالمحبة الكاملة والاتحاد والصداقة والفهم".

هذا الاعتقاد في وحدة العالم الإنساني يرتكز علي عدة أسباب صلبه: أولهما مبنى على الدين فالاقتناع بأن الله هو أب واحد للجميع يترتب عليه الاعتراف بان جميع الناس إنما هم أخوة فبهاء الله يؤكد "إن دين الله هو من شأن المحبة والاتحاد" والسبب الثاني هو من باب فهم لنظرية المعرفة فالأفكار التي تخلق تفاعلا عاما لابد وأن يفترض علاقة أُسرية عميقة بين العقول البشرية وبمعني آخر فإن وجود الذكاء الخلاق والحقيقة العامة تجعل الإنسان مدركا لوحدته مع أفراد جنسه الآخرين.
وأما السبب الثالث فهو أخلاقي ووضعي فالناس جميعا لهم خصائص حيوية (بيولوجية) وسيكولوجية مماثلة في أساسها وبما إني اشعر بالازدهار والغبطة عن طريق صداقتي مع جيراني فإنه يجوز الاعتقاد بأنهم هم أيضا يتمتعون بنفس هذه المزايا مما لا جدل فيه أن كل الناس يشتاقون إلي حياة رغده وأن الشعور بالود المتبادل يدفع بطبيعتنا إلي الإكبار والنهوض ولذلك فإنه من المحقق أن ممارسة الود في شكل تقييم الحياة والخدمة الإنسانية هو المبدأ الأسمى للأخلاقيات ففي الحياة اليومية تكون الطيبة السنية العقل هي الأساس لا يوجد متطلب عدي ذلك لتنظيم السلوكيات.
هذه المثالية وهذا العمل المنتشر للود في العلاقات الاجتماعية هو مثل آخر للرؤيا الروحانية مطبق بصفة عامه وفي درجة من البساطة بحيث يجدر لتلميذ المدرسة أن يدركه. إن أهم مشكلة للمدنية هي كيفية إمتداد هذه الروح بأشكال ذكية في دوائر دائمة الاتساع للجنس البشرى. إن المحبة صفة إلهية وهى الأمل الوحيد لهذا العالم المرتبك المنزعج.

والآن لنفترض مثلا أن كل شخص في هذا العالم اخذ في ممارسة هذا الاتجاه نحو كل شخص آخر يقابله وأن عواطفه لم تستثنى أي شخص في هذا الصدد يبين كاتبا بهائيا أنه " في الوقت الذي توضع قوانين علاقات الترابط الإنساني مكان قوانين البقاء الحيواني في المجتمع ككل سوف يتعلم الناس كيف يحققوا الوئام والجمال والرخاء ذلك الإخاء الحر الذي كان بمثابة الأساطير التي عزاها الناس جميعا إلى العصر الذهبي. فإن الغبطة والسعادة التي لا حد لها سوف تعم العالم الإنساني و تملؤه. إذا توقعت أن يكون كل شخص طيب الأخلاق فإني ساجد نفسي وكأني في بيتي أينما كنت.

أستطيع أن أعتمد علي أن الناس يفضلون الطيبة على النية السيئة أو العمل الضار إني أعرف تماما إنني اكره بشده تلك النزاعات والندم الذي ينتج عن كلمات أو أعمال غير طيبة وإني أستطيع التأكد من أن التأثيرات النفسية للأعمال الخيرية الحميدة هي بالفعل موحدة ومرضية. وهنا أقدم على موقف أساسي آخر للوقفة الفلسفية فإذا استطعت أن أكتسب الحل الداخلي والاستقامة أو الإرادة القوية التي بها أستطيع أن أواصل اتجاه الصداقة في كل وقت أواجه فيها المضايقات أو الظلم أو إساءة الفهم فإنني بذلك سأجد ملجأ مؤكدا للسلام. إنني اعتمد كثيرا على قادة الأديان و تعاليمها لتساعدني على الإبقاء على هذه الروح. إن طاقة الدين في زيادة أي نقص في التسامي في المجتمع إنما هو تبرير كاف لأن نسانده ونطوره في حياتنا العصرية.

إن سلطان المحبة في العالم له القدرة على تدمير التبلد والملل الذي ينتج عن تصور عديم المشاعر لأن المحبة في الواقع خلاقة وبارعة فالمحب يخترع كل أداة جديدة تساعده على أن يجعل حبه معبرا وأكثر مساعده0 هناك عدة وسائل نبنيها الآن يمكن بها تحقيق حسن النية بفعالية أكثر، هذه الوسائل تدخل ضمن التعاليم البهائية الأساسية.

أ‌-لنأخذ أولا فن المؤتمر أو الوسيلة التقنية للمشاورة هذا الفن للمناقشة الجماعية هو مهم للغاية في حل مشاكل القرن القادم إنه يفرض أن المؤتمر يمكن أن يكون خلاقا بمعنى أن ينتج إدراكات قيمة وحلول لا يمكن إيجادها بدون المجموعة فالإجراء يفترض الحرية والتساوي ومنتهى سعة الرحب من جميع الأعضاء انه يفترض أيضا الرغبة من جانب كل شخص أن يحور في تعصباته وخطط عمله في ضوء ظهور حقائق وأفكار قد تبرز من خلال المناقشة. إن الرغبة في الإبقاء على روح الوحدة في المجموعة والمحافظة على وسيلة المناقشة المتعاطفة هما من أهم الأسس التي يجب الإبقاء عليها بأي ثمن حتى ولو تسبب في الإخفاق في الموافقة على خطط عمل أخرى.
إن المؤتمر المثالي يأخذ بالاعتبار اتجاهات الأقلية التي قد تكون بمثابة وضع العراقيل أو إظهار الاستياء أو حتى الانسحاب فأحيانا يشعر عدد قليل بأن القرار الذي اتخذه الأغلبية رغم النقاش الحر والمتكامل يشعر بكل أمانة أن هذا القرار غير حكيم بيد أن كل عضو كان قد فهم مسبقا ماذا يجب عمله في حالة ما إذا وجد نفسه واحدا من الأقلية وهو أن يحافظ علي روح التعاون والتجربة وذلك بمعاونة الأغلبية علي الحصول علي تجارب إضافية وأيضا بإعطاء المعلومات اللازمة لإثبات نظريتهم فإذا وضحت وجهة نظر الأقلية فان الأغلبية بدورها يجب أن تعضض الأقلية في خططهم. بهذه الطريقة لا تشعر الأقليات بأي مرارة أو استبعاد ولكن تشجعوا علي التعاون. هذا الاعتبار مهم للغاية لأنه عادة ما تظهر الأفكار الجديدة الهامة من الأقلية.

إن تصور هذه الممارسة العامة في مختلف مراحل المشاكل الاجتماعية وهذا الفن في الائتمار كما تم وصفه مسبقا هو في الواقع رؤيا وإمكانية تبعث بالسعادة وإذا اصبحت هذه الطريقة واسعة الانتشار كما لو كانت مثل المصافحة باليد فإن سوء النية والمرارة والكارثة التي تحدث نتيجة الصراعات الاجتماعية سوف تزال إلي درجة كبيرة إن تحقيق هذه المثالية المتسامية في الاعتدالات الاجتماعية تحتاج إلي اتجاه فلسفي وإلي تكريس مثابر ومرتفع الدرجة في تضحية النفس في سبيل الأخوة بين البشر.

ب‌-ولنلتفت الآن بتخيلاتنا الحية لكي نرسم خط النتائج البعيدة المدى لرؤية أخرى خاصة بالأخوة بين البشر فلنفرض أن كل تلميذ وتلميذه في المدارس في العالم قاطبة تعلم بجانب الرياضيات والقواعد والدراسات الأخرى الأساسية لغة عالمية إضافية من نوع ممتاز. يؤكد لنا الخبراء إن هذه الفكرة عملية للغاية وأن هذه اللغة يمكن تعلمها في وقت قصير مذهل وحين يكبر هذا التلميذ ويبدأ في السفر أو يصبح مندوباً للمبيعات أو عالما أو انه يشترك في الإرساليات فهو يتمكن من مبادلة الأفكار مع الناس في جميع أنحاء العالم.

إن نتيجة هذا التبادل هو ذوبان الكثير من سوء التفاهم والإكثار من الشعور بالوحدة والزيادة المشتركة في ثروة الثقافة وكذلك منافع أخرى لا تقدر ولا تحتسب وبهذه اللغة الثانوية يمكن للهيئات العالمية مثل عصبة الأمم أن توفر بسهوله للجميع المكتوبات المهمة فانه يبدو أن المطلوب هو قدر ضئيل نسبيا من التخطيط الذكي والتعاون في سبيل القيام بهذا المشروع العظيم. إن إمكانيات الازدهار للسلام والحضارة لا يمكن تخيلها وهذه رؤية روحية أخري تستحق التحقيق.

ت‌- إنني أستطيع أيضا أن أفكر في أشكال أخري من السلوكيات التي تكون في آن واحد بسيطة في التحقيق وعامة في التطبيق والمجال هنا يكفي لذكر القليل فقط منها. قد أعلن بهاءالله إنه لا توجد مسألة أهم من السلام العالمي ففي اللحظة التي يشعر كل شخص في أعماق قلبه بالرغبة الأكيدة للسلام وانعدام الرغبة في العنف تجاه أي شخص آخر فإن الحرب تكون غير ممكنة. هنا بعد روحي آخر وهو أيضا بعيد المدى في أهميته. فللحصول على السلام في العالم يجب على كل فرد أن يكن المحبة الصادقة للسلام وأن يمارسها في هذه الحالة تنقلب كل كراهية إلى أخوة ومحبة فالسلام العالمي هو في واقع بهذه البساطة – وهو أيضا بهذه الصعوبة فالمثل الإغريقي يقول: في الواقع إذا أردنا أن نحافظ على نظافة مدينتنا يجب على كل مواطن أن يكنس أمام بابه.

ث‌- وثمة شكل آخر من تفكير غاية في القوه وهو فكرة أن الشر ليس إلا مرحلة انتقالية للخير فإذا اعتقد كل شخص بهذه الحقيقة وعمل على أساسها فإن مصاعب الحياة وآلامها يفقد شوكتها وتصبح عتبات لخطي الارتفاع إلى مستويات روحية أعلى. إن نهر النيل يبدو بنى اللون وملئ بالطمي إذا شوهد عن كثب ولكنه يبدو أزرقا متلئلئاً حين يشاهد عن بعد لأنه بهذا يعكس السماء البراقة في الأفق. لذلك فإني موقنا بأن كل شر لا نخضع له يمكن بوجه عام أن ينقلب إلى صالح لنا إذا أردنا ذلك.

ج‌-وهذا عدد آخر من الرؤيا. لماذا لا يتعلم كل شخص في شبابه فنا من الفنون وبهذا يستطيع أن يسعد باقي حياته بالتعبير عن النفس والإستفادة من وقت فراغه بقدر أثمن وأكثر.

ح‌-ولماذا لا يتعلم في صباه الأسس البسيطة للاختزال في الخط كوسيلة وأداة تنفعه بقية الحياة.

خ‌-بما إني من محبي الحدائق فإني أقترح أن تشكل هيئة في كل مجتمع يكون فيها قطعة أرض يقسم إلى أجزاء صغيره يستطيع الشخص أن يسعد بزراعتها.

لقد شاهدنا كيف أن الرؤيا هي عبارة عن مثالية في الحياة تشاهد روحيا ولكن لم تحقق بعد في المجال الكوني فهي مبدأ روحاني باستطاعته توليد قيمة تزداد اتساعا في مجال الخبرات الإنسانية وأن هؤلاء الذين يشاهدون ويفتتحون هذه المبادئ هم في الواقع ما يطلق عليهم لقب الرائي أو النبي.

فالنبي هو الرجل الذي له من الحكمة القدر الذي يجعله يرى بوضوح في أول الأمر القيمة الأساسية للحياة ويمسك بها إلى أن تعتز بها الأجيال مستقبلا. انه يتفحص ويعيش في الحاضر علي شكل يأخذ به مستقبلا العديد من الأمم وربما العالم أجمع وهو يقرأ مسبقا رؤوس الأبواب في تاريخ المستقبل وقد يطلق عليه من يعيش معه صفات الجنون والخيانة والكفر والخروج عن الطبيعة بيد أنه يبدوا طبيعيا لدى أولائك الذين يحظون بدرجة أعلي من النمو الروحاني. إن حشود الناس دائما في الواقع تنظر إلي صفات الشيء العادي العظيم أي الحياة المتكاملة.

إن العمل المميز للرسل والأنبياء في جميع العصور هو أن يعاونوا الناس في تحديد أشكال الحياة الخيرة وإيقاظ الطاقات الإلهية التي تكمن بداخلهم وان الذين يبحثون عن الحقيقة يدرسون بكل اهتمام ما ينطق به هؤلاء الأنبياء لأنهم هم الذين يخلقون الرؤيا الروحية. يأتي في التشبيه البهائي أن الرسول هو مكان بزوغ فجر الجودة والحقيقة الروحانية في العالم فكما تأتى الشمس بالنور إلي عالم الطبيعة يأتي الرسول بالنور إلي عالم الروح. مجيئه كمجيء الربيع وهو الذي يصنع الشكل للأجيال القادمة إنه يزرع في المدنية بذور القدر وإذا اكتشفت البذرة استطاع الجميع أن يزرع الزهرة فتنمو قال(Marcum) ماركم: "إنك لن تستطيع أن تشاهد شتاء العالم بأكمله في ورقة شجر واحدة "إن عملا واحدا من المحبة الخالصة يتبين من خلاله مفتاح السلام والسعادة العالمية وبهذا تصبح الأشكال التي وضعها الأنبياء والمرسلين أهدافا للعالم وربما أيضا أصبحت عاداته.

وبما أن الرسل في كتاباتهم يصورون طرقاً للحياة تنبأ بالبقاء فإن القارئ يسعد بإطلاعه في الحاضر علي بعض المناظر الطبيعية للحياة الأبدية وهذا الشعور بالأبدية يجلب للعقل توازنا وصفاء رائعا. إن رؤية الأنبياء تساعدنا كثيرا في إيجاد الأوضاع الصلبة لخطوط الفكر عبر العصور.

من أعمق دوافع الغبطة في الحياة تظهر في خلال الرؤيا التي تخلق الازدهار لمعانيها
(James H. Cousins)جيمس إ كازن يقول في Ode to Truth "إن أولائك الذين يتمتعون بمشاهدة الكل يستطيعون أن يواجهوا الجزء بجرأة عظيمة" وإن أولائك الذين يحسون بقوة المحبة يستطيعون أن يشعروا بأنهم في بيتهم في أي مكان في العالم. إن المتطلبات الأخلاقية والدينية قد تبدو صعبة المنال في الحاضر لأنها تفترض الرؤية البعيدة المدى للخير العميم ولكن قيمة أي رؤيا هي في الواقع تحسب بالقدر من الواقع الذي نستطيع أن نفهمه ومدى التخطيط المستقبلي الذي توفره وأيضا الطاقة التي يولده لخلق المحبة للغير.


والآن ربما تكون الفكرة البهائية عن "النظام العالمي الجديد" هي رؤية روحانية كبيرة بالقدر الذى يكفي لكي تشمل كل الرؤيا الأخرى. هذا الرضا الفلسفي الأسمى يأتي من اكتشاف هذه المثالية الشاملة فإني أذكر أن البارثنون هو شكل فيه التوحيد بواسطة خطوط تشييد خيالية متجهة في اتجاه متقارب نحو نقطة بعيدة فوق المعبد. إذا فمن الجائز أن الخطوط العظمى للرؤيا الناتجة عن النبوة قد يظهر أحيانا مجمعا روحانيا (Spiritual Common wealth) يكون فيه الله هو "النقطة الأولي" والمحبة هي الرابطة بين البشر.

إن التمسك بكل قلب دافئ لهذا الأمر المتعالي هو الذي يجعل من الحياة كلها للشخص وحدة واحدة. هذه الوحدة تحمينا من تواجد "إثم اللامتناسب" وهو الذي يعظم التوافه ويغض النظر عن الأساسيات. في هذه النظرة البعيدة تصبح التفاصيل المضايقة للحياة تافهة وبهذا نستطيع أن نحافظ علي السكينة وسط كل القلق وأسباب خيبة الرجاء. فقط كتب تاغور (Tagour) إن أخطاء الحياة تتضرع صارخة إلي الجمال الرحيم الذي تعدل من حالاتها المنعزلة لتجعل منها تآلفا مع الكل.

بيد أن المتدين الحقيقي ليس كالفيلسوف مجرد مشاهد سلبي للوقت والوجود إنه يأخذ دورا حيويا في مجال محدد للحياة إنه حاج أو سائح في بلد لا يتبعه لأن البلد لم يشكل بعد حسب مثالياته فهو يعيش منتظرا ومغامرا إنه الرائد الروحي يندفع مخاطراً لكي يتبنى الشكل المتنبأ به ويعمل بمقتضياته بمثل ما سافر إبراهيم إلي أرض بعيدة وغريبة ليصنع منها بيتا جديدا لعائلته ودينا جديدا للعالم إن الشخص ذو البصيرة الروحانية يرى ما هو مفروض أن يكون ويضع حياته رهينة للعقيدة لأن ما هو مفروض أن يحدث هو في الواقع حقيقة أكبر مما هو حاصل لأن هذه الحقيقة هي التي ستحدث وستتحقق.
كتب البروفسور ويليام إي هوبكينج (William E. Hopking) "إن القدر من الوجهة العملية هو الطريق إلي خطوتي القادمة نحو النمو" فالخطوة التالية ستكون واحدة من نوعين أساسيين.

أ‌-قد تمسكني مجددا الرؤية الروحانية بحيث تتحول عقيدة مثالية من مجرد كلمة أو فكرة مجردة إلي عقيدة راسخة في عمق النفس. هذه الخطوة هي "لحظة القرار الحيوي" التي اعتبرها باستحقاق ملك لي وهي المثالية الأساسية المتنبئ بها وفي هذا الحين أصبح لأول مرة المركز المشتعل للرؤيا الكونية العظمى.
ب -الخطوة الثانية نحو النمو يمكن أن تتكون من نصر واضح و صلب أكون فيه قد وضعت بالفعل خطة عمل تبنيتها وكأنها ملكي ففي هذا تكون المثالية والعقيدة الراسخة أكثر وضوحا كلما عملت جاهدا نحو تحقيقها إن اكتشاف الرؤيا الروحانية وتحقيقها إذاً هي عبارة عن نقطتين للنمو في الحياة: رؤية درب جديد لحياة أكمل ثم بداية السير في هذا الدرب. إن النفس التي تسلك بهذا نحو الرؤيا الكونية ستنعم بالسلام والاتزان بدرجة لا تقارن.
(المؤلف ريموند فرانك بيبر. -مترجم )
avatar
راندا شوقى الحمامصى

عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 27/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى