الرؤية البهائية للمجتمعات المتماسكة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرؤية البهائية للمجتمعات المتماسكة

مُساهمة  راندا شوقى الحمامصى في الأحد سبتمبر 27, 2009 3:06 pm

يرتأي البهائيون نشوء مجتمعات متماسكة حقاً"تُرَوّج للكرامة الإنسانية،وتحثُّ على اطلاق القدرات البشرية، وترعى بشكل فعّال النبل المتأصل الذي يؤمن البهائيون أنه أساس الطبيعة الإنسانية"(بهاءالله-منتخباتي....فقرة 130). تصف تعاليم حضرة بهاءالله جامعات لها خامة إجتماعية مُتراصّة، مبنية على قيم روحانيّة وأخلاقية مشتركة،يتعاون فيها جميع المواطنين الذين يتحلون باهتمام صادق لمصلحة بعضهم البعض.
يؤكد البهائيون أن المفتاح لتأسيس مجتمعات قوية،مسالمة،ومزدهرة،هو العمل على تطوير تلك العناصر التي تتجه نحو إيجاد ترابط اجتماعي، والسعي للتغلّب على التعصّب والمخاوف،وعدم الثقة ،والظلم والحرمان،وكلها تعمل على تفكيك المجتمعات. إن مجرد السعي لتحديد هويّة هذه العناصر يتطلّب جهداً مُضنياً،بينما العمل المطلوب لمعالجتها يتطلّب الرّويّة، الحكمة، ومتابعة دؤوبة. كما أن تعلّم أفراد العائلة التعايش بانسجام يشكّل تحدّياً لهم، كذلك يُدرك البهائيون، أن المجتمعات وأهل الجوار ستجد أن سعيهم لإيجاد ترابط وانسجام مستمر فيما بينهم هو عمل صعب ودقيق.
يؤمن البهائيون أنه على المجتمعات أن تُقّدر وتخدم جميع أفرادها وليس الميسورين والمثقفين أو المميزيين منهم فقط. تتكون بلدان ومدن كثيرة في يومنا هذا من أناس متنوعي الجنسية،الخلفية،الحضارة،التقاليد الدينية،والقوميات،وعلى الأنظمة الإجتماعية،والإقتصادية والتشريعية والسياسية أن تعكس هذا التنوع وتحترمه.لا تستطيع القوانين وحدها،رغم أهميتها،أن تخلق جواً إجتماعياً يُمكّن الجاليات المختلفة من تقديم مهاراتها ومواهبها الخاصة للجميع.إنما قيام مجتمع متماسك ومنصف بكل مافي الكلمة من معنىً يتطلّب أناساً يدركون أن مصالح الأفراد والمجتمع متداخلة، وأن تأمين الحقوق الإنسانية والمدنيّة يتطلّب التزاماً تجاه المسئوليات المترتبة على ذلك، وأن الرجال والنساء، الاثنين معاً، يجب أن يشاركا مشاركة كاملة في صنع القرار والتخطيط.
بموازاة الحاجة لخلق مجتمعات متراصّة، تبرز الحاجة لتطوير أنماط مستدامة للعيش بالمحبة داخل المجتمع. يعتقد البهائيون أن البيئة الطبيعية تحتاج إلى نفس العناية الحساسة والحكيمة التي يبتغيها الناس لأنفسهم،وأن البيئة المبنيّة يجب أن تُعبّر ليس فقط عن حاجات المجتمع المادية، ولكن أيضاً عن حاجاته الروحانيّة والجماليّة.لذلك، يؤيد البهائيون وجوب إدراك الجمال والمنفعة الماديّة في مشاريع تنمية المجتمع.

مواجهة التحدّي
لتحقيق مجتمعات كهذه، يسعى البهائيون عملياً لإيقاظ الوعي والتقدير لدى الناس تجاه وحدة العائلة الإنسانية . بغياب مثل هذا المفهوم،لاحظ البهائيون أن محاولات الحكومات والجاليات للتغلّب على أنواع التوتّرات والمخاوف التي تولّد الاضطراب المدني، قد أعيقت. لذلك، يحثُ البهائيون الأفراد والعائلات على معاشرة اناس من أديان، وعقائد، عادات، توجهّات، خلفيات إثنية، وعرقية مختلفة، حتى يتعلموا تقدير قيمة التنوّع في مجتمعهم،ويستبدلوا الجهل المخيف بالفهم والمعرفة. ويوصي البهائيون أيضاً أن تُقَدِّم أماكن العمل دورات تدريب في هذا المجال. ويعتبرون أنه من الضروري ألاّ تكتفي المدارس بإدراج برامج توفر مثل هذه الفرص لتلاميذهم، بل وان تدرج في منهاج المدرسة العامّ، وكجزء متمم له، تدريس موضوع وحدة العالم الإنساني، وتنمية الشعور بالمواطنة العالمية. بالإضافة، وحيث أمكن، يسعى البهائيون أنفسهم للمشاركة والتأثير على مسار التطوّر الإجتماعي حتى تتمحور جالياتهم حول ذات القيم الروحانيّة، الأمانة، الإنصاف، المساواة والاستقامة، التى تشكل قاعدة الحياة البهائية.
يُدرك البهائيون أن تزايد التفاعل فيما بين أناس من خلفيات متعددة وازدياد وتيرة اعتماد بعضهم على بعض "يخلق تحديات جذرية لأساليب التفكير والعمل التقليدية"، وأن الطريقة التى يواجه بها الأفراد والمجتمعات هذه التحديات " ستُحدد إلى مدى بعيد ما إذاً كانت مجتمعاتنا ستتميز بروح من التنمية والتماسك والتقدم، أو تصبح غير مضيافة، مُنقسمة وغير مستدامة".(الجامعة البهائية العالمية)

دور الدين
يعتقد البهائيون أن للدين دوراً مهماً في خلق جاليات منسجمة ومتراصّة.ولكن غالباً مايصبح الدين نفسه سبب التوتر والاضطراب، وينحرف عن هدفه الأصلى، ويقلّب الجار على جاره. وقد كان الدين مسئولاً عن اشعال الحروب،سفك الدماء، والكثير من معاناة البشرية.
لدى البهائيون القناعة أن التعصّب والتطرّف –وهما الوجه الفاسد للدين الحقيقي-دمّرا التسامح وسمما أجواء الجاليات،إذ لم يُشجّع بعض قادة الطوائف أتباعهم على التحقق من عقائد أخرى، أو قد جاهروا علناً ضد أتباع أديان آخرى. يتبع البهائيون أن مواقف كهذه لا تُنمي التعصب فحسب بل وقد أدّت فى بعض الأحيان إلى هجوم عنيف على مؤمنين تابعين لأديان أخرى، وبالتالين تنسف القيم الروحانيّة بعينها التي يدّعي أنه يرفع لواءها.
يعتقد البهائيون أنه إذا كان للحوار البنّاء حول دور الدين في إقامة العدالة الإجتماعية فى الجاليات أن يتحقق، من الواجب الاعتراف بهذا الجانب السلبي، وعلى قادة الدين أنفسهم أن ينبذوا التعصّب ، والعنف، والارهاب، ويسعوا للتركيز على المبادئ الروحانيّة المشتركة فيما بين جميع الأديان. على قادة الأديان أن يعملوا بأنفسهم للتخلص من التعصب الأعمى والخرافات داخل تقاليدهم الدينية، وعليهم تقبل حرية المعتقد لجميع الناس بما فيهم أتباعهم . ومن واجب قادة الأديان، باعتقاد البهائيين، أن يوضحوا لأتباعهم أن لا مكان للتعصّب الأعمى والعنف في حياة الإنسان المتدين. لا بل يتوقع البهائيون من رجال الدين أن يذهبوا أبعد من ذلك: "إن شجب }رجال الدين{ للفلسفة المادية أو الارهاب لن يوفر مساعدة حقيقية في مواجهة الأزمات الأخلاقية المعاصرة،إن لم يباشروا بخطاب صريح عن الفشل في تحمّل المشئولية مما أدى إلى ترك جمهور المؤمنين بدون حماية ومعرّضين لهذه التأثيرات.(بيت العدل الأعظم)
إذا استطاع الدين أن يسترجع مكانته، يعتقد البهائيون أن بيده المفتاح لخلق جاليات تتمحور حول الروحانية وتحقق الرؤية التى طرحها لهم حضرة بهاءالله: " الدين هو أعظم الوسائل لتأسيس النظام في العالم ولاطمئنان وسلامة كل من فيه."(بهاءالله)
عندما كان "الدين" وفياً لروحيّة ومثاليّة أولئك المظاهر المتسامين فوق عالم الوجود، والذين قدموا للعالم أنظمته العقائدية العظيمة،أيقظ في مجتمعات سُكانيّة بكاملها قُُدُرات المحبّة،الغفران، الإبداع،الجرأة العظيمة، التغلب على التعصب، التضحية في سبيل المصلحة العامة، وضبط الغرائز الحيوانية. مما لا شك فيه أن القوى المحرّكة لتهذيب الطبيعة البشريّة كانت نفوذ هذه المظاهر الإلهية المتتالية منذ فجر التاريخ المدوّن.(بيت العدل الأعظم)
ينظر البهائيين،أن من أهم ألأساليب التي تُمكّن قادة الأديان على تنمية الانسجام والحث على التعاون والحوار فيما بين أتباعهم هو تشجيعهم على تحري الحقيقة لأنفسهم. تُعلّم جميع الأديان أنه يجب عدم الخوف من الحقيقة. إذا " آمن أهل الإيمان بأن الخالق أبدي، ,وأنه محور كل مافي الوجود، وجب عليهم أيضاً الإيمان بأن البحث الصادق عن الحقيقة، المحَرّرة من القيود، سيؤدي إليها".(الجامعة البهائية العالمية)

التأثير على صانعي القرار
في رؤية البهائيين أن الاعتراف الشامل بوحدانية الإنسانية سيحقق " تغيراً عُضوياً في هيكليّة مجتمع اليوم"(0الجامعة البهائية العالمية) ، وهم يؤيّدون ويدعمون بفعّالية تلك المبادرات الإجتماعيّة التى تأتي بالمنفعة على المجتمع بأكمله. ولكن البهائيين يعتبرون أن السياسة الحزبيّة أسلوب غير مفيد للوصول إلى هذه الغاية، لذلك لا ينتسبون إلى أحزاب سياسيّة،ولا يرشّحون أنفسهم للمقاعد السياسيّة، ولا يدعّمون بأي شكل من الاشكال الأحزاب السياسيّة أو السياسيين. يمكنهم الانتخاب،وفعلاً ينتخبون، عندما يتمكنون من ذلك بدون أن يبدو وكأنه انتساب أو دعم أو مؤازرة لحزب سياسي معيّن، ويجوز لهم الخدمة في وظائف الدولة غير السياسية. يكنُّ البهائيون الولاء والطاعة للدولة التي يعيشون فيها ولا ينتقدون أو يحاولون تقويضها، حيثُ توجد حكومات تطلب الاستماع إلى آراء المجتمع المدني، وحيثُ يُجيز التشريع تقديم طلبات إلى الدولة لتغيير سياسة أو قانون ما، يمكن للمحفل الروحاني المركزي في الدولة المعنية أن يوم بذلك،إذا وجدت المناسبة، وكان لديه وجهة نظر يعرضها. لذلك على سبيل المثال، الأجندة المحلية21 ((Local Agenda 21 ومشاريع بيئة أخرى، السلامة فى المجتمع، وتخفيض مستوى الجريمة. لا يلجأ البهائيون إلى أساليب تكتيكية كالمظاهرات في الشوارع أو أشكال أخرى من النشاطات الشعبية العنيفة للتعبير عن وجهة نظرهم.

إقامة مجتمعات متحدة، روحانيّة، مستدامة
عندما تصل الجاليات البهائية إلى مستوي عالٍ من النضوج تتمكّن في أغلب الأحيان من تنفيذ برامج تنمية إجتماعية واقتصادية لخدمة الجوار أو المجتمع ككل، وتدعم بذلك رؤية حضرة بهاءالله حول حضارة عالمية متّحدة، منصفة، مزدهرة ومسالمة. في السنوات الأخيرة قامت مؤسسات عديدة تستوحي هدايتها من التعاليم البهائية Bahai Inspired Organizations بالحث على مناقشة الأفكار البهائية والترويج على تطبيقها في مجالات إجتماعية،إنسانية،قانونية واقتصادية. وإضافة إلى ذلك، تُنفّذ مؤسسات كثيرة من هذا النوع أعمالاً ميدانية، مستمدة قيمها وأهدافها من التعاليم البهائية.

لا يمكن أن ينجح التطور المادي، من وجهة نظر البهائيين، إلا إذا ارتبط بتطوّر روحاني قائم على تطبيق القيم الأخلاقيّة. لذلك، تعمل المؤسسات والمشاريع التي تستوحي هدايتها من التعاليم البهائية، بموجب القيم الموجودة في رسالة حضرة بهاءالله. إن للعديد من تعاليم الدين البهائي الإجتماعية أهمية محورية بالنسبة لقضايا التنمية منها : الحاجة للاتحاد والاعتراف بوحدة العالم الإنساني؛ نمو ثقافة عالمية؛ مساواة النساء بالرجال؛ إلغاء أقصى درجات الغنى والفقر؛ تحقيق العدالة الإجتماعية والاقتصادية؛ الحاجة إلى حكم يتّسم بالاخلاقيات؛ والمشاركة الجماعيّة في النشاط الإجّتماعي. من أكثر البرامج تأثيراً على التنمية الاجتماعية تلك التي ترفع منزلة المرأة وتُمكن النساء والفتيات من الحصول على التربية والتعليم، خصوصاً القراءة والكتابة.( من كتاب-فهم الدين البهائي-تأليف وندي وموجان مؤمن-مترجم من الانجليزية)
avatar
راندا شوقى الحمامصى

عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 27/09/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى