كيفية الايمان الحقيقي طبقا لما علمتنا اياه البهائية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كيفية الايمان الحقيقي طبقا لما علمتنا اياه البهائية

مُساهمة  صانع سلام في الخميس سبتمبر 10, 2009 1:50 pm

في لوح سياح فقرات تلقي الضوء على شدة الامتحانات التي تواجه المؤمن وهو يطرق سبيل الإيمان. في إشارة لملأ "البيان"، يذكر حضرة بهاءالله بعض الذين كانوا من أشد الناس تقوى ووُهبوا بصيرة غاية في الحدة، مع ذلك عندما مرت عليهم نسائم ظهوره، بدوا كأنهم محجوبين عنه بحجاب. رغم أنه عاشرهم لمدة طويلة وكشف عن بهائه لأعينهم وينسب قصورهم هذا للغرور والتعلق بالنفس الأنانية ويعرب عن حزنه لأن تقواهم وأعمالهم أصبحت سببًا للكِبَر والغرور ومنعتهم عن فضل الله.
يتكرر موضوع الانقطاع في ألواح عديدة. بل يمكن القول ربما هناك بين وصايا حضرة بهاءالله القليل، إن وجدت، مما أكد عليها بهذا النحو مثل الانقطاع عن هذه الدنيا وكل رغبة نفسانية. يبدو بكل جلاء من مطالعة "لوح السيّاح" بأن ما كان لأصحاب حضرة بهاءالله، نظرًا لقربهم من شخصه، أن يظلوا مخلصين لأمر الله لو لم يستطيعوا أن يتخلصوا تمامًا من شرور النفس. فأي أثر للتعظيم الذاتي، مهما صغر، كان قاتلاً بالنسبة لهم. وفي محضره المبارك لا يمكن لغير محوية الذات التامة أن تبقى.
كان بين تلاميذ حضرته من استطاع أن يخضع أنانيته. استطاع أولئك بأقوالهم وأفعالهم أن يبرهنوا على محوية ذاتهم عندما يكونون وجهًا لوجه أمام مولاهم. أولئك أصبحوا العمالقة الروحانيين لهذه الدورة، وبإيمانهم أفاضوا على أمر الله بريقًا لا يدركه الزوال. بشأن رجال كهؤلاء، في فترة بغداد، يكتب النبيل ما يلي:

كم من ليلة لم يزد فيها طعام العشرة منهم عن حفنة من التمر تُشترى بفلس. ولم يكن أحدهم يدري على وجه التحقيق شيئًا عمّا يجده في بيته من الأحذية والعباءات والملابس أهي ملكه هو أم ملك غيره. ولكن كل من ذهب إلى السوق ادعى أن الحذاء الذي ينتعله حذاؤه، وكل من يحظى بمحضر حضرة بهاءالله يؤكد أن الثوب الذي يلبسه هو ثوبه! أمّا أسماؤهم فقد نسوها، أمّا قلوبهم فقد فرغت من كل شيء إلاّ ذكر محبوبهم وتقديسه! فآه آه لهاتيك الأيام الغوالي ولحلاوة تلك السويعات العجيبة.(9)

وحيث أن قليلاً من النفوس تمكنوا من بلوغ امتياز كهذا، والعروج إلى عوالم الانقطاع، والتواضع أمام مولاهم، ليعتبر بشرى طيبة للبشرية التي قُدر لها، في الوقت المناسب، أن تحذو حذوهم. في يومنا هذا أن متطلبات الإيمان والسبيل نحو حضرة بهاءالله باق دون تغيير. فيتعين على المؤمن اليوم، كما كان في أيام حضرة بهاءالله، أن ينقطع عن كل الشؤون الأرضية ويطهر قلبه من إشارات النفس والهوى وحب الذات، من أجل أن يتمكن من التقييم الحقيقي لمقام حضرة بهاءالله المذهل، فيصبح خادمًا لائقًا لأمره. لو قصّر وفشل في عمل ذلك فإنه، ولو لم يواجه نفس المخاطر (الامتحانات) التي أحاطت أصحاب حضرة بهاءالله (في أيامه)، لا محالة فإنه سيشعر بشيء من الشك في أعماق قلبه تجاه أمر الله وقد يعاني فكريًا من تناقضات شديدة. فمع أنه قد يعترف بحضرة بهاءالله كمظهر إلهي وقد يكون مطلعًا إطلاعًا جيدًا على آثاره الكتابية، لكنه لن يكون بمقدوره التمتع بذاك اليقين الذي يُكسب الإنسان صفات إلهية ويمنحه قناعة وسكونًا وسعادة دائمة.
إن اكتساب إيمان حقيقي لهو أعظم منجزات الإنسان. فالإيمان يمنح الإنسان قوى لا تدانيها أية وسيلة أو مصدر دنيوي. وبقوة إيمانهم استطاع المؤمنون التغلب على عوائق وحققوا انتصارات خالدة لأمرالله. لأجل أن يحصل المرء على الإيمان يتوجب عليه إزالة كل أثر للوهم والهوى. لنتفحص السبيل لبلوغ هذه الغاية العليا ونتحرى المآزق والعوائق الكثيرة التي تعترض الروح في رحلة البحث.
هناك مركزان لقوى هائلة داخل الإنسان. أحدهما الدماغ، مركز الذكاء والتفكير ومخزن معلوماته ودراساته. بواسطة هذه المقدرة يمكن أن يُظهر الإنسان القوى الفريدة العاقلة التي تميزه عن الحيوان. إن العقل أعظم هبة من الله للإنسان. لكن الإنسان، بناء على كونه صاحب إرادة ذاتية حرة، قد يدفعه عقله إلى الإيمان والاعتقاد بالله، أو إلى الإلحاد.
المركز الآخر هو القلب (الفؤاد) وهو مصدر الدفء والحب. إن قلب الإنسان يهوى الدنيا ويحب ذاته. لكنه في ذات الوقت هو المنزل الذي يحتضن صفات الله ويعكسها.
"يا ابن الوجود: فؤادك منزلي، قدّسه لنزولي..."(10)

إن شرارة الإيمان تظهر أول ما تظهر في فؤاد الإنسان. لكن هذا لا يمكن أن يحدث إلاّ عندما يتحرر القلب من التعلّق بشؤون الدنيا.
"يا ابن التراب
قدّرت لك جميع ما في السموات والأرض! إلاّ القلوب فقد جعلتها منزلاً لتجلّي جمالي وإجلالي، وأنت قد تركتَ منزلي لغيري. فما أراد ظهور قدسي في كل زمان أن يقصد مكانه إلاّ وجد فيه غيره ورأى فيه غريبًا، فأسرع إلى حرم المحبوب في اللامكان، ومع ذلك سترتُ أمرك ولم أفضح سرك ولم أرضَ أن أخجلك."(11)

لقد خلق اللهُ الإنسانَ بكيفية بحيث يكمل كل من هذين المركزين أحدهما الآخر. فالعقل بدون قلب مستنير بالإيمان لا يمكنه اكتساب المقدرة على التحري، أو اللغة ليفهم ويعقل بها حقيقة أمر الله. مثل ذلك مثل العين الباطنية المحرومة من النور فهي عاجزة عن استكشاف عالم الروح. بدلاً من ذلك فهي تنمي قدراتها في المجالات المادية وترفض بطبيعة الحال فكرة أو مفهوم الله والدين. وهكذا تصبح مانعًا بالغ الفاعلية لحصول المرء على نعمة الإيمان. في ظروف كهذه يمتلئ القلب بحب الدنيا وحب ذاته، لأن من مميزات القلب أن يحب. فإذا لم يسمح له بأن يحب، فإنه ينقلب ليحب ذاته وممتلكاته الدنيوية. وهذا هو أحد معاني "الغريب" الذي يشير إليه حضرة بهاءالله في "الكلمات المكنونة":
"يا حبيبي بالقول: تأمّل قليلاً: أسمعتَ قط أن الحبيب والغريب يجتمعان في قلب واحد؟ فاطرد الغريب حتى يدخل الحبيب منزله."(12)

للحصول على الإيمان يجب على المرء أولاً إجلاء "الغريب" من قلبه. وعلى قدر نجاحه في ذلك يكون اكتسابه للإيمان. فعند حدوث شرارة الإيمان داخل القلب يجب رعايتها وتنميتها لتصبح لهبًا. وإلاّ قد تنطفئ بسبب التعلق بالدنيا. مثلاً حينما يصل شخص إلى مستوى من الوعي بحيث يعترف بحضرة بهاءالله على أنه مظهر إلهي، فإن قلبه يصبح لاقطًا لأنوار دين الله لهذا العصر. وإذا انغمس منذ البداية ببحر ظهور حضرة بهاءالله، بقراءة كتاباته يوميًا ليس فقط من أجل توسيع المعلومات بل لتغذية الروح، وبمعاشرة الأخيار، والقيام على خدمة حضرته بإخلاص وانقطاع، فإنه قد يزداد إيمانًا باطراد ويصبح نفسًا نورانيًا متحمسًا. وقد يحصل على تفهّم أعمق للآثار المباركة ويصل إلى مستوى من الوعي بحيث أن عقله وقلبه يعملان معًا بانسجام. إن مؤمنًا كهذا سيجد أخيرًا أن ليس ثمة تناقض بين تعاليم حضرة بهاءالله وبين تفكيره. إضافة لذلك سوف يكتشف في كلمات حضرة بهاءالله أزيد من حكمة بينما يقرّ في الوقت نفسه بمدى محدودية عقله وقصوره.
لكن إذا فشل المؤمن، بعد اعترافه بحضرة بهاءالله، في مواصلة السير في هذا السبيل، فقد يجد نفسه بعد قليل في تناقض مع عدة نواح من دين حضرة بهاءالله. فقد لا يستطيع فكره تفهّم الحكمة وراء كثير من تعاليمه، بل قد يرفض بعضها ثم أخيرًا يفقد إيمانه نهائيًا. يجاهد بعض الناس سنوات في سبيل التغلب على هذه المشكلة توقًا لترسيخ إيمانهم. غالبًا ما يمكن لمثل هذا الشخص أن يتلقى العون لبلوغ تفهّم حقيقي لأمر الله من قبل أولئك الذين وصلوا لمستوى الإيمان الحقيقي بحضرة بهاءالله وانقطعوا عن هذا العالم.
إذا ما فشلت كل الوسائل، فالعلاج الوحيد للشخص الذي لا يزال فيه بصيص من شعلة الإيمان، ولكن لديه شكوك في أمر الله، هو أن يقرّ بأن علم حضرة بهاءالله منبعث من الله، وأن يسلّم مشاعره وأفكاره له تسليمًا تامًا. حالما يسلّم نفسه بهذه الكيفية ويستقيم عليها بإخلاص وأمانة، تتفتح أمامه أبواب الفضل الإلهي ويصبح قلبه محلاً لاستلام نور العرفان الحقيقي. وسوف يكتشف في وقت ما في حياته، فطريًا أو بالصلاة والتأمل، الجواب عن كل إشكالاته واعتراضاته. بل إن كل أثر من التناقضات سيزول من فكره. علاوة على ذلك سوف يتفهّم آنيًا ما استعصى عليه وحيره من تلك المبادئ والتعاليم وسيجد كثيرًا من الأسرار مكنونة في كلمات حضرة بهاءالله، أسرارًا لم يعها إطلاقًا من قبل.
إن كلمات حضرة بهاءالله التالية، في إحدى "الكلمات المكنونة"، تبيّن كيف أن الإنسان لا يمكنه بلوغ عرفان ظهوره إلاّ إذا فوض أمره لله:

"يا ابن التراب
كن أعمى ترَ جمالي، وكن أصمَّ تسمع لحني وصوتي المليح، وكن جاهلاً يكن لك من علمي نصيب، وكن فقيرًا تغترف من بحر غَنائي الخالد قدرًا لا زوال له، أي كن أعمى عن مشاهدة غير جمالي وكن أصمَّ عن استماع كلام غيري، وكن جاهلاً بسوى علمي حتى تدخل ساحة قدسي بعينٍ طاهرةٍ وقلبٍ طيبٍ وأذنٍ نظيفةٍ."(13)

في الرواية عن حياة ميرزا أبو الفضل، العلاّمة البارز والمُدافع الشهير عن أمر الله، شهادة على أن قراءة الكلمة الإلهية بعين العقل فقط يمكن أن تضل (وتبعد عن الإيمان). فكيف ظن انه من الممكن ان يكتب كتابا مثل كتاب الايقان ويمكن مراجعة القصة بكتاب ظهور بهاء الله ج2
على أية حال استغرق اقتناع ميرزا أبو الفضل بأحقية أمر حضرة بهاءالله عدة سنين. وصل خلالها إلى مرحلة بحيث آمن بأمر الله إيمانًا عقليًا، دون قناعة قلبية. الشيء الوحيد الذي جعله يعترف بأحقية أمر الله بعد صراع طويل هو تسليمه نفسه وما وُهب من معارف وملكات عقلية إلى الله. ذات ليلة قصد حجرته وناجى الله مصليًا والدموع تنهمر من عينيه، سائلاً الله عسى أن يفتح أبواب قلبه. عند الفجر شعر بغتة بأن قلبه قد غمر بالإيمان بحيث لن يبالي لو فدى حياته في سبيل حضرة بهاءالله. نفس الشخص الذي قال مرة أنه يستطيع تأليف كتاب أفضل من "كتاب الإيقان"، طالع الكتاب عدة مرات من خلال عين الإيمان فوجده بحرًا من العرفان لا حدود له. وفي كل مرة يقرأه يجد فيه لئالئ حكمة جديدة مدخرة فيه، ويكتشف أسرارًا جديدة لم تخطر على باله من قبل.
إن الإيمان يتأتى للإنسان من خلال تسليمه لله. ذلك لأن تسليم النفس بكل مكتسباتها يحرر الروح من تعلقها بهذا العالم الفاني. وبذلك يُطرد "الغريب" خارج القلب ويمكّنه من إدخال "الحبيب" إلى حرمه. يصرح حضرة بهاءالله:

"يا ابن الإنسان : كن لي خاضعًا لأكون لك متواضعًا..."(14)

وفي فقرة أخرى يتفضل قائلاً:

"يا ابن البشر : إن تحب نفسي فاعرض عن نفسك وإن ترد رضائي فاغمض عن رضائك لتكون فيّ فانيًا وأكون فيك باقيًا."(15)


صانع سلام

عدد المساهمات : 51
تاريخ التسجيل : 08/08/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى