ملحمة نيريز

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ملحمة نيريز

مُساهمة  النبيل في الخميس مارس 20, 2008 6:01 am

كان السيد الدارابي المُلقّب بالوحيد مشغولاً في الأيّام الأولى من حصار قلعة طبرسي في نشر التعاليم الأمريّة وكان يسافر من مدينة إلى مدينة يعلن التعاليم التي أتى بها مولاه بدون خوف ولا وجل ونجح في تبليغ عدد غفير من الأتباع وكان رجلاً ذا شهرة واسعة ونفوذ ولما رجع إلى يزد حيث كانت تسكن عائلته في اليوم الأوّل من شهر جمادى الأوّل سنة 1266 هجريّة (1850 ميلاديّة) جاء العلماء المشهورون والأعيان في المدينة لاستقباله.
وانتهز وحيد الفرصة وأبلغ الجمع الحاضر التعاليم الأساسيّة وانجذب البعض انجذابًا كليًّا واعتنقوا الأمر حالاً وكانت فصاحته وقوّة بيانه وعدم خوفه في إظهار أمر الحق قد أشعلت نيران الحقد في بعض الناس وعزموا على إنهاء حياته. واستمر هذا النشاط والانجذاب مدة أربعين يومًا بين المؤمنين الغيورين نساءً ورجالاً. وكان منزل وحيد هو المركز الأمري لجموع المؤمنين وأمّا حاكم المدينة فأصدر أوامره أن تقوم قوّة مسلّحة لحصار المنزل. وأرسل وحيد أحد أصحابه وأمره أن يخطب في الناس علنًا في الشوارع والأسواق ويطلب من جميع السكّان اعتناق أمر صاحب الزمان وزاد بقوله:"إنّي لا أنوي أن أثير حربًا دينيّة فليحذروا إنّهم إذا أصرّوا على حصار منزلي واستمروا في أعمال الهجوم عليه فإنّي أكون مضطرًّا للدفاع وأن أقاومهم وأشتّت شملهم." فوقع الرعب في قلوب المستمعين وعزم الأهالي الخائفون على ترك أسلحتهم والامتناع عن إيذاء وحيد.
وفي تلك الأثناء استعد وحيد لمبارحة يزد. وقد سار في الطريق المؤدي إلى نيريز وكان يدعو الناس إلى الأمر الجديد واجتهد في أن يُشعل نار محبّة الله في قلوب الذين وجد فيهم استعدادًا لسماع النداء. ولما وصلت أخبار مجيئه إلى نيريز خرج جميع الأهالي للقائه. وما كاد زين العابدين الحاكم بخروج الأهالي للترحيب به حتى أرسل رسولاً خاصًا ينذرهم بعزمه على قتل كلّ من يُصرّ على الطاعة لوحيد فلم يعبأ أحد بانذاره وبالعكس اشتدّ تمسكهم به.
وكان وحيد يخطب في الجموع ويطلب منهم أن يعترفوا برسالة حضرة الباب. وقال لهم: "إنّ غرضي من المجيء لنيريز هو إعلان أمر الله وإنّي أشكره تعالى وأمجّده لأنّه مكّنني أن أنفث في قلوبكم رسالته."
وما كان قبول الدعوة بمانع من إثارة زين العابدين فأمر بجمع جيش بقصد محو الأمر وأراد من تدبيره الهجوم الفُجائي وأخذ وحيد أسيرًا. ولمّا عَلِمَ وحيد بتدابير الحاكم أمر أصحابه أن يدخلوا قلعة خواجه وجعلها مقرًّا لهم. وعند طلوع الفجر خرج جماعة منهم بأمر من وحيد وبسرعة فائقة شتّتوا شمل المحاصرين للقلعة. وهذه الهزيمة التّامّة الفُجائيّة أثارت أوهام ومخاوف الأمير فيروز ميرزا نصرت الدولة حاكم شيراز وأعطى أوامره لاستئصال شأفة الذين احتلوا القلعة وطلب إلى وحيد بإلحاح أن يترك نيريز آملاً في اطفاء نيران الهياج الذي اشتعل.
ولكن زين العابدين ضاعف مجهوداته وفجأة حاصر القلعة بجموع لا عدد لها من رجاله وابتدأوا في حفر خنادق حولها. وما كاد يتمّ هذا العمل حتى أطلق النيران عليهم ورجع المهاجمون واختبأوا داخل خنادقهم. وكانت تلك الهزيمة قد أقنعت زين العابدين خان ورجاله بعدم فائدة أيّ مجهود يبذل لإخضاع وحيد وأصحابه بطريق المُحاربة فالتجأوا أخيرًا إلى طُرق أخرى كما حصل لجيش الأمير مهدي قلي ميرزا الذي عجز عن إخضاع مُحاربيه في الميدان فلجأ إلى الخداع والغشّ وهي أسلحة الجبناء. فأوقفوا الهجوم وأرسلوا رسالة إلى المحصورين قائلين: "إنّنا كنّا لغاية الآن جاهلين حقيقة إيمانكم فقمنا ضدّكم وأردنا إبادة دينكم وفي الأيّام الأخيرة علمنا أنّ حركاتكم لم يُقصد بها أيّ غرض سياسي وإنّه لا يوجد بينكم من يرغب في قلب قواعد الدولة. فليخرج منكم مندوبون ويقابلونا في المعسكر حيث يمكننا في ظرف بضعة أيّام أن نتحقق من صدق دعواكم. وهذا القرآن الذي نختم عليه بأختامنا هو أكبر شاهد على صدق مُرادنا وأنّ غضب الله ورسوله علينا إذا كُنّا نقصد أن نخدعكم." فاستلم وحيد القرآن بكل احترام وقال: "إني عالم تمامًا بخداعهم ولكن أرى من واجبي أن أجيب طلبهم وانتهز الفرصة في أن أكشف مرّة أخرى عن حقائق الأمر المحبوب أمامهم."
وبهذه الكلمات ودّع أصحابه وخرج مع عدد منهم من القلعة إلى المعسكر حيث طلبوا منه أن يرسل بخطّ يده رسالة لباقي أصحابه المقيمين في القلعة يُخبرهم بحصول الصلح بين الفريقين وأن ينضموا إلى المعسكر أو يرجعوا إلى منازلهم. فكتب تلك الرسالة ولكنّه في رسالة أخرى أرسلها سرًّا أخبر أصحابه أن لا ينخدعوا بتدابير العدوّ وحذّرهم من أن يسمحوا لأنفسهم بالوقوع في الخدعة. ولكن لم تصل هذه الرسالة إلى أصحابه وحسب الرسالة الأولى طرح الكثيرون أسلحتهم وعادوا إلى نيريز واستشهد عدد كبير منهم.
وبعد أن تشجّع زين العابدين ورجاله بسبب تشتّت أصحاب وحيد أخذوا يفكرون في الطريقة التي تخلّصهم من اليمين التي حلفوها وأن يشرعوا في ذبح وحيد. ونادوا في الحال على جميع الذين قُتلت أقاربهم في المعركة لتنفيذ حكم القتل الذي صدر على وحيد. وحالاً تقدّم ثلاثة من هؤلاء وطرحوا العمامة من رأسه ولفّوها على رقبته وأوثقوه بجواده وسحبوه بهذه الكيفيّة في جميع شوارع المدينة. وقد أنهى وحيد حياته الشريفة الباسلة الساطعة والمُفعمة بالحوادث والتي امتازت بسعة العلم والشهامة الفائقة وروح التضحية النادرة المثال والجديرة بأن تتوّج بمثل هذا القتل الذي أتمّ به شهادته. ووقع ذلك في الثامن عشر من شهر شعبان سنة 1266 هجريّة (29 يونيو سنة 1850 ميلاديّة).
وبعد عشرة أيّام من تلك الحادثة أُطلق الرصاص على حضرة الباب في تبريز.
avatar
النبيل

عدد المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://arabicbahai.forumh.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى