حج الباب إلى مكة والمدينة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حج الباب إلى مكة والمدينة

مُساهمة  النبيل في الخميس مارس 20, 2008 5:26 am

عزم حضرة الباب على الحج إلى الحجاز وترك زوجته في حماية والدته وكان القدوس هو الرفيق الوحيد له ما عدا الخادم الحبشي وذهب أولاً إلى بوشهر، تلك المدينة التي كان فيها متجر خاله ومن هناك استقلّ مركبًا سارت به مدة شهرين سيرًا بطيئًا واهتاج البحر بالعواصف حتى رست السفينة على شواطىء جدّة. وكان ذلك في اكتوبر سنة 1844 ميلادية. ولم تمنعه مشاق السفر من الاستمرار في الصلاة بانتظام ومداومة الابتهال والتضرع. واشتغل الباب بالإملاء على القدوس بالألواح التي كان يوحى بها إليه وكانا يشتغلان باطمئنان وهدوء حتى في الوقت الذي كانت فيه السفينة مضطربة والركاب مذعورين من الرياح العاصفة فلم يمنعهما ذلك عن العمل ولم تتغيّر بشاشة وجههما من اشتداد العواصف وانقلاب البحر وهياجه. وأشار الباب إلى هذه المشاق بقوله: "وناجينا القدير أن يُسهّل سبيل السفر في البحار ويقلّل مشاقه ويمحو أخطاره." فلم يمض وقت قصير حتى استجيب الدعاء وظهرت علائم التحسين في وسائل المواصلات البحريّة وأصبح الخليج بعد أن لم يكن فيه سفينة واحدة بُخارية ممتلئًا بأسطول من السفن العظيمة التي تقدر أن تنقل جميع الحجاج من أهالي فارس بالراحة التّامّة إلى الحجاز في بضعة أيام .
أمّا الأمم الغربية التي ظهرت فيها الثورة الصناعية فجأة، فلم تدرك المنبع الذي ظهرت منه تلك القوّة العظيمة التي غيّرت جميع مرافق الحياة. إنّ تاريخها نفسه يشهد بأنّه في سنة الظهور الأعظم ظهرت فيهم بوادر الثورة الصناعية والاقتصادية على شأن أقرّوا بأنفسهم بأنه لم يحصل لها مثيل في تاريخ العالم الانساني ولشدّة انهماكهم في تفاصيل هذه القوّة المحرّكة الجديدة تناسوا مصدرها تدريجيًّا وعَموا عن الغرض الذي من أجله أعطاهم ذو القدرة هذه القوّة العجيبة. فلم يستعملوها فيما خلقت لأجله بل استعملوها لزيادة وسائل التدمير والحروب بدلاً عن نعمة السلام والسرور.
ولما وصل الباب إلى جدّة ارتدى لباس الإحرام وركب جملاً وشرع في سيره إلى مكّة وأمّا القدوس ففضّل أن يسير مرافقًا له على قدميه من جدّة إلى تلك المدينة المقدسة. ومع أن الحرارة كانت في تلك الجهات مرتفعة بدرجة أن الحجاج لم يتمكنوا من القيام بالطواف بملابسهم العادية فأتمّوا هذه المناسك بلباس الإحرام. ولكن الباب لم يرض مع ذلك أن يخلع عمامته أو عباءته احترامًا وبكل هدوء وبساطة أتمّ المناسك والطواف حول الكعبة بملابسه العادية.
وفي آخر يوم من أيام الحج قابل الباب الميرزا محيط الكرماني عند الحجر الأسود فأخذ بيده وخاطبه قائلاً: "يا محيط إنّك تعتبر نفسك أكبر رجال الشيخية ومن مشاهير مفسّري تعاليم الشيخ أحمد الأحسائي فالآن انظر، ترانا واقفين في أقدس مزار وفي هذا الإقليم المبارك يقدر الانسان أن يتبين الحق من الباطل والهدى من الضلالة والآن أقول لك إنّه لا يوجد أحد في الشرق أو الغرب يقدر أن يدّعي أنّه الباب الذي يوصل الإنسان إلى معرفة الله غيري، وبرهاني هو عين البرهان الذي أتى به محمد رسول الله فاسأل منّي عما تشاء الآن فسأجيبك بآيات تثبت صحّة دعوتي. وعليك أن تختار فإمّا أن تخضع خضوعًا تامًا لأمري أو تُعرض عنه. وإذا اخترت الإعراض فلا أترك يدك حتى تعلن للعموم إعراضك عن الحق الذي ادعيته ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة ويتضح سبيل الحق لكافة الخلق."
فاضطرب الميرزا محيط من هذه المباهلة وقد بهت من دقة توجيهها وجلالها وعظمتها وأحسّ أمام هذا الشاب كأنّه عصفور محصور في قبضة نسر عظيم رغمًا عما هو عليه من تقدُّم السّن والقوة والعلم. فأجاب: "يا سيدي من أول يوم وقعت فيه عيني عليك شعرت بأنّي وجدت من هو مطلوب فؤادي ومرغوبي وإنّي أرفض كل من لا يعترف بك بل أحتقر كل من يبقى في قلبه ذرّة من الشّك في طهارتك وقداستك فأرجوك أن تعفو عني ضعفي وإن شاء الله سأحلف يمين الطاعة لك في هذا المكان المقدس وأقوم على نصرة أمرك، وإن لم أكن صادقًا فيما ادعيت
أو كان في قلبي ما يخالف ما أقررت به بلساني فإنّي أعدّ ّنفسي غير أهل لرحمة رسول الله." وكان الباب يستمع لكلماته وهو عارف بضعف روحه وذِلة نفسه فقال: "حقًا لقد تبين الحق من الباطل فأشهدك يا قدوس، يا من آمنت بي وأشهد تربة رسول الله في هذه الساعة على ما دار بيني وبينك والله أعظم شاهد لي وهو البصير العالم الحكيم. فيا محيط، اذكر كل ما يشغل بالك واسأل ما تريد ." وإطاعةً لأمر الباب سأل الميرزا محيط جملة أسئلة وكتب الباب جوابًا على هذه الأسئلة التي كانت قد أشغلت ذهن الميرزا محيط وسماها "صحيفة بين الحرمين" ولكن ويا للأسف كان الميرزا محيط عاجزًا عن مقاومة العظمة الساحقة التي أظهرها له الباب ولم يَفِ بالعهد الذي قطعه على نفسه وسافر إلى كربلاء موطنه ومرض وتوفي هناك.
وبعد أن أتمّ الباب مناسك الحج في مكة كتب رسالة إلى الشريف يبين له فيها بوضوح تامّ معالم رسالته. وطلب منه أن يقوم ويعتنق دعوته وأمْرَه وسلّم الباب تلك الرسالة مع بعض كتابات أُخرى إلى القدوس وأمَرَه أن يقدمها إلى الشريف ولما كان الشريف منهمكًا في الأمور الدنيوية لم يصغ للنداء الإلهيّ. ولكن لمّا عَلِم باستشهاد الباب وأنّ الذين قتلوه أرادوا أنّ يطفئوا بقتله ذلك النور الذي أشعله في تلك البلاد وأنّ تأثير أمره ازداد منذ حصول تلك الشهادة وانتشر بين جميع الأمم والأفراد صاح قائلاً: "ألا لعنة الله على هؤلاء الأشرار الذين عاملوا في الماضي آبائنا الطاهرين بنفس هذه المعاملة."
وفي ذات يوم أثناء قيام الباب للصلاة قريبًا من إحدى الآبار فجأة ظهر بدوي متنقّل واختطف الخرج الذي كان مطروحًا على الأرض وفيه كتابات الباب وأوراقه واختفى بسرعة وسط الصحراء فقام الخادم الحبشي ليتبعه ولكن سيده منعه وأشار إليه بيده أن يكُف عن اتباعه وقال له: "لو أذنتك في تتبعه لأدركته وعاقبته ولكن هذه الأوراق والكتابات سوف تصل بواسطة هذا البدوي إلى المقر الذي لولاه لا يمكن إيصالها إليه بسهولة فلا تحزن لهذا الحادث لأنّ ذلك هو أمر الله المقدّر."
وسافر الباب من مكة إلى المدينة في أول محرم سنة 1261 هجريّة (الجمعة 10 يناير 1845 ميلاديّة) وإذ كان يقترب منها تذكر الحوادث المؤلمة التي خلّدت ذكرى ذلكم الذي عاش ومات بين جدرانها وتجلّت أمام عينيه من خلال تلك المناظر تلك القوّة المحيية التي ظهرت من ذلك الفذّ الخالد بجلالها المعهود وكان يكثر من الصلاة والمناجاة كلما اقترب من ذلك الحرم المقدس الذي ضمّ بقايا جثمان رسول الله.
avatar
النبيل

عدد المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://arabicbahai.forumh.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى