الدين البهائى بقلم البهائيين (3)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الدين البهائى بقلم البهائيين (3)

مُساهمة  امال رياض في الجمعة يوليو 31, 2009 1:48 am

      
(3) وحدة الدين . إن هذا المبدأ له علاقة وثيقة بمبدأ وحدة الجنس البشري . أن البشرية تدور في عملية نمو جماعية شبيهه بعملية النمو لدى الأفراد . ومثلما يبدأ الفرد حياته من المهد ويصل إلى سن البلوغ خلال مراحل متعاقبة يكون الشيء نفسه بالنسبة للجنس البشري حيث يبدأ حياته الاجتماعية الجماعية في مرحلة ابتدائية ومن ثم وبالتدريج يصل إلى البلوغ . ففي حالة الفرد يبدو واضحا بان التطور يكون نتيجة التعليم المستمد من الوالدين ومن المعلمين ومن المجتمع بصورة عامة . ولكن ما هي القوة الدافعة لمسيرة الجنس البشري في تطوره وتقدمه ؟
الجواب الذي يمكن أن يقدمه الدين البهائي هو " الدين السماوي " . في أحد الكتب الرئيسية التي جاء بها حضرة بهاء الله والمسمى بكتاب الإيقان شرع حضرته بان الله الخالق سبحانه وتعالى تدخل ويستمر في التدخل في تاريخ البشرية وذلك عن طريق إرسال الرسل أو المتحدثين باسمه . هؤلاء المرسلون الذين سماهم حضرة بهاء لله " مظاهر أمر الله " هم المؤسسون الرئيسيون للأديان الكبرى في العالم مثل سيدنا إبراهيم وموسى وبوذا والمسيح والرسول محمد (ص) وغيرهم . إن الروح التي أطلقها هؤلاء الأنبياء والمرسلون وأيضا ونفوذ كلمتهم وتعاليمهم والنظام الاجتماعي الذي تأسس بواسطة أحكامهم وقوانينهم ونصائحهم هي التي أدت بالجنس البشري إلى الرقي والتقدم في مسيرة تطوره الجماعي . وبكل بساطة فان مظاهر أمر الله هم المعلّمون الكبار للبشرية .
وبالنسبة للأنظمة الدينية المختلفة التي ظهرت في تاريخ الإنسانية يقول حضرة بهاء الله :
" هذه الأصول والقوانين وتلك الأنظمة المحكمة المتينة قد ظهرت من مطلع واحد وأشرقت عن مشرق واحد ، أما اختلافها فراجع إلى اقتضاء الوقت والزمان والقرون والآعصار".
وعلى ذلك ، فإن مبدأ وحدة الدين يعني بأن مؤسسي الأديان وهم الأنبياء والمرسلون العظام جاءوا من جانب إله واحد وأن الأنظمة الدينية التي أقاموها ما هي إلا جزء من خطة سماوية تديرها القوة الإلهية .
وفي الواقع هناك دين واحد ، وهو دين الله ، وهو ينمو ويتطور باستمرار وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل ذلك التطور الكامل . والدين البهائي يمثل المرحلة المعاصرة من مراحل تطور دين الله .
وللدلالة على ان تعاليم الرسل وأفعالهم موجهة من قبل الله العلي القدير ولا تنبع من قدرات بشرية عادية ، فقد استعمل حضرة بهاء الله كلمة "وحي" لوصف الظواهر والحوادث التي تحدث عند مجيء رسول سماوي جديد في كل مرة ، خاصة وان كتابات الرسول الإلهي تمثل كلمات الحق المعصومة ، وبما أنها تبقى مدة طويلة بعد وفاة الرسول فإنها تعتبر جزءا هاما من مظاهر " الوحي ". وقد لوحظ بان كلمة "وحي" تستخدم في بعض الأحيان للإشارة فقط إلى كتابات مظهر أمر الله وكلماته .
وينظر إلى التاريخ الديني على انه عملية من تتابع الديانات السماوية من عند الله وان اصطلاح " تعاقب الظهورات " يستخدم للتعبير عن هذه العملية . وعلى ذلك يعتقد البهائيون بأن تتابع الأديان وتعاقبها هو القوة الدافعة والمحركة لتقدم البشرية وأن حضرة بهاء الله هو المظهر الإلهي الأحدث في سلسلة تعاقب ظهور الأنبياء والمرسلين .
وللتركيز على المفهوم البهائي عن الدين بشكل أوضح ، دعونا نقارنه بالمفاهيم الأخرى المطروحة لمضمون الدين . فمن جانب ، هناك من يرى بأن الأنظمة الدينية المختلفة ما هي إلا نتاج كفاح البشرية بحثا عن الحقيقة . وفي ظل هذا المفهوم ، لا يعتبر مؤسسو الأديان حاملين لرسالة سماوية للبشرية وإنما هم أشخاص من كبار الفلاسفة والمفكرين الذين توسعوا وتطوروا في بحثهم عن الحقيقة وتوصلوا إلى هذه المرتبة . هذه النزعة تستبعد فكرة وحدة أساس الدين ، لأن الأنظمة الدينية المختلفة تعّبر عن وجهات نظر متفاوتة واعتقادات مختلفة جاءت أصلا من الإنسان وهو المعرض للخطأ ، وهي تختلف عن الوحي الإلهي الذي يمثّل الحقيقة والعصمة وهو نابع من مصدر واحد فقط .
ومن جانب آخر ، هناك الكثير من المتشددين من أتباع أديان مختلفة يقولون بأن رسولهم أو مؤسس دينهم يمّثل دين الحق فقط وأن الأنبياء والمؤسسين الآخرين ليسوا سوى أنبياء كذبة وعلى غير حق أو على الأقل هم دون نبيهم أو رسولهم مرتبة . مثال على ذلك ، هناك الكثير من اليهود يعتقدون بأن سيدنا موسى عليه السلام كان حقا رسول الله ولكن سيدنا المسيح لم يكن كذلك . ونفس الشيء يعتقده الكثير من المسيحيين بسيدنا المسيح عليه السلام ولكن لا يؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأن المسيح يحتل مقاماَ أعلى من مقام موسى عليه السلام .
إن مبدأ وحدة الأديان من منظور الدين البهائي يختلف بشكل أساسي عن المفاهيم التقليدية المذكورة سابقا . فقد ذكر حضرة بهاء الله بأن الاختلافات الموجودة في بعض تعاليم الأديان العظيمة يرجع سببها إلى اختلاف حاجات ومتطلبات الزمن الذي ظهر فيه الدين الجديد وليس إلى وجود نقص في مؤسس ذلك الدين . بالإضافة إلى ذلك أشار حضرته إلى ان كثيرا من الناس يدخلون للدين كثيرا من البدع ويتلاعبون بالألفاظ وينسبون إليه كثيرا من الأفكار الدخيلة , وفوق ذلك كله يؤمن البهائيون بأن جميع الأنبياء والمرسلين هم في مصاف واحد وفي مرتبة واحدة . وقد لخص حضرة شوقي أفندي هذه النظرة في الكلمات التالية :
" أن المبدأ الهام والأساسي الذي شرحه لنا حضرة بهاء الله ويؤمن به أتباعه بشكل جازم هو أن الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنما نسبية وأن الرسالة السماوية هي عملية مستمرة وفي تقدم وأن جميع الأديان العظيمة في العالم سماوية في الأصل وأن مبادئها الأساسية متماثلة ومتطابقة تماما وأن أهدافها ومقاصدها متشابهة كما أن تعاليمها تعكس لنا حقيقة واحدة وأن وظائف هذه الأديان مكملة لبعضها البعض وأن اختلافها الوحيد يكمن في الأحكام والحدود الفرعية وأن مهامهم هي التكامل الروحي للمجتمع الإنساني خلال مراحل متعاقبة ومستمرة ."
وينطلق هذا المبدأ من حقيقة ما فتئت تزداد وضوحًا، وهي أن الأديان واحدة في أصلها وجوهرها وغايتها، ولكن تختلف أحكامها من رسالة إلى أخرى تبعًا لما تقتضية الحاجة في كل زمان، وفقًا لمشكلات العصر الّذي تُبعث فيه هذه الرّسالات. للبشريّة في كل طور من أطوار تقدّمها، مطالب وحاجات تتناسب مع ما بلغته من رقّي ماديّ وروحانيّ، ولا بدّ من ارتباط أوامر الدّين ونواهيه بهذه الحاجات والمطالب. فالمبادئ والتّعاليم والأحكام الّتي جاء بها الأنبياء والرّسل، كانت بالضّرورة على قدر طاقة النّاس في زمانهم وفي حدود قدرتهم على استيعابها، وإلاّ لما صلحت كأداة لتنظيم معيشتهم والنّهوض بمداركهم في مواصلة التّقدم نحو الغاية الّتي توخّاها خالقهم.
يؤمن البهائيّون إذًا بأن الحقائق الدّينيّة نسبيّة وليست مطلقة، جاءت على قدر طاقة الإنسان وإدراكه المتغيّر من عصر إلى عصر، لا على مقدار علم أو مكانة الأنبياء والمرسلين. ويؤمن البهائيّون أيضًا باتّحاد الأديان في هدفها ورسالتها، وفي طبيعتها وقداستها، وفي لزومها وضرورتها، ولا ينال من هذه الوحدة، كما رأينا، تباين أحكامها أو اختلاف مناهجها. لهذا لا يزعم البهائيّون أن دينهم أفضل الأديان أو أنّه آخرها، وإنّما يؤمنون أنّه الدّين لهذا العصر، الدّين الّذي يناسب مدارك ووجدان الإنسان في وقتنا وزماننا، والدّين الّذي يعدّ إنسان اليوم لإرساء قواعد الحضارة القادمة، وفي هذا وحده تتلخّص علّة وجوده وسبب اختلاف أحكامه عن أحكام الأديان السّابقة.
"اياكم يا ملا التوحيد, لا تفرقوا في مظاهر أمر الله ولا فيما نزل عليهم من الايات وهذا حق التوحيد ان انتم لمن الموقنين,وكذلك في أفعالهم وأعمالهم وكل ما ظهر من عندهم ويظهر من لدنهم,كل من عند الله وكل بأمره عاملين,ومن فرق بينهم وبين كلماتهم وما نزل عليهم أو في أحوالهم وأفعالهم في أقل مما يحصى لفد أشرك بالله واياته وبرسله وكان من المشركين.." من كتاب "منتخباتي از اثار حضرة بهاء الله"ص46
ومن مبادئ الدّين البهائي الآخرى: السّعي إلى الكمال الخلقي، فالغاية من ظهور الأديان هي تعليم الإنسان وتهذيبه. ما من دين حاد عن هذا الهدف الجليل الّذي ينشد تطوير الإنسان من كائن يحيا لمجرّد الحياة ذاتها، إلى مخلوق يريد الحياة لما هو أسمى منها، ويسعى فيها لما هو أعزّ من متاعها وأبقى، ألا وهو اكتساب الفضائل الإنسانيّة والتّخلّق بالصّفات الإلهيّة تقرّبًا إلى الله. والقرب إليه ليس قربًا مكانيًّا أو زمانيًّا، ولكن قرب مشابهة والتّحلّي بصفاته وأسمائه. ويفرض هذا المبدأ على البهائيّ واجبين: واجبه الأوّل السّعي الدائب للتّعرّف على ما أظهر الله من مشرق وحيه ومطلع إلهامه. وواجبه الثّاني أن يتّبع في حركته وسكونه، وفي ظاهره وباطنه ما حكم به مشرق الوحي. فالعمل بما أنزل الله هو فرع من عرفانه، ولا يتمّ العرفان إلاّ به. وليس المقصود بعرفان الإنسان لصفات الله التّصوّر الذهنيّ لمعانيها، وإنّما الاقتداء بها في قوله وعمله وفي ذلك تتمثّل العبوديّة الحقّة لله تنزّه تعالى عن كلّ وصف وشبه ومثال.
"..قل يا قوم,دعوا الرذائل وخذوا الفضائل,كونوا قدوة حسنة بين الناس وصحيفة يتذكر بها الاناس ,فضل الإنسان في الخدمة والكمال لا في الزينة والثروة والمال,اجعلوا أقوالكم مقدسة عن الزيغ والهوى وأعمالكم منزهة عن الريب والريا.." حضرة بهاء الله- لوح الحكمة ص80

_________________



امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 402
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى