معجزة سيدنا إبراهيم(ع) في إعادة الحياة إلى أربعة طيور.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

معجزة سيدنا إبراهيم(ع) في إعادة الحياة إلى أربعة طيور.

مُساهمة  tokhimes في الأربعاء مارس 11, 2009 8:07 am

قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(14).
قبل كل شيء، تتكلم هذه الآية الكريمة كغالبية آيات القرآن الكريم عن أزمان ظهور رسل من عند الله، وأزمان بداية إعلانهم لدعواتهم، كما أنها تثبت بصورة من الصور، أن النفس البشرية تمتاز منذ ذلك الزمان بروح العناد والجدل والتعصب، كما أشار إلى ذلك بصراحة قوله تعالى (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)(15)، وكذلك قوله الكريم (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا)(16)، فهذه الطبيعة البشرية السلبية، قد تشتد في عنادها حتى مع رسل الله وأنبيائه المقدسين، وقد ترفض دلائل الحق وآياته البينات حتى ولو رأتها بعينها ولمستها بيدها، كما قال تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ)(17)، وكذلك قوله الكريم (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)(18).
فسيدنا إبراهيم(ع)، يمثل في هذه القصة من جانب آخر، النفس الإنسانية العاقلة الحكيمة التي تقتنع بالأدلة والبراهين، ومن الوارد أنه يطلب من الله سبحانه وتعالى مشاهدة طريقة إحياء موتى الإيمان وليس موتى الأجساد، باعتباره قد علم مسبقا أنه اختير لتنفيذ هذه المهمة الروحانية، كما هو الحال عند اختيار جميع مظاهر الله المقدسة ومن ضمنهم سيدنا محمد(ص) عندما خاطبه رب العزة في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(19)، فمحمد(ص) لم يحيي أجساد الأموات ولم يخرجهم من قبورهم بعد تحللها وتفسخها، بل أحيا أموات الأرواح والايمان بعدما ماتوا بروح الكفر والعصيان.
كما أن العبارة المشهورة في الآية الكريمة (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)، لم يقصد بها الإشارة إلى نوع من المجادلة بين سيدنا إبراهيم ورب العزة، أو حالة من التشكك بقدرة الله العظيمة، فهذا مفهوم بعيد عن عبودية الرسل ودرجات خشوعهم الكاملة، بل يمكن أخذها كنوع من التعليم الإلهي اللطيف لعباده وخلقه، لأن سيدنا إبراهيم(ع) كان رسولا مختاراً ونبياً مطيعاً ومؤمنا صالحاً وعبداً حنيفاً ومثالاً يحتذي به الناس في طريقة تعبدهم، كما قال سبحانه وتعالى عنه في مجموعة من آياته الكريمة (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)(20)، وكذلك (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)(21)، وكذلك (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)(22)، وأيضا (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(23)، وكذلك (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا)(24)، ثم (سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)(25)، وكذلك (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)(26). فبعد قراءة كل هذا الكم الهائل من الصفات الطيبة والمثل العليا التي يصف بها رب العزة سيدنا إبراهيم(ع) أبو الرسل والأنبياء، كيف يمكن أن يخطر على البال أو حتى مجرد تصوّر فكرة تشككه في لحظة من اللحظات بقدرة الله وعظمته على إحياء الموتى!؟
لذلك لابد أن يكون من معاني العبارة الكريمة (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) إشارة إلى أمر آخر غير التشكك وعدم الثقة والإيقان. ومن الوارد أن يكون من معانيها إشارة إلى الزمن السابق لبعثته، عندما كان إبراهيم ينتمي إلى دين أمته القديمة. أي: ألم تكن مؤمنا بالله من قبل؟ أو: ألم تكن مؤمناً من قبل بدين من أديان الله السابقة؟ فيجيب سيدنا إبراهيم(ع): (بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، أي نعم أنا موقن ومتأكد أنك منزل شريعة آبائي وأجدادي السابقة، ونعم أنا موقن أنك أحييتهم بالأيمان من قبل، ولكني أريد أن أرى ذلك الإحياء الروحاني بعيني حتى يطمئن قلبي لمهمتي القادمة بين هؤلاء القوم قساة القلوب.
ومما يؤيد هذا الرأي، شهادة سيدنا إبراهيم(ع) على انفطار السماء في قوله تعالى (قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ)(27)، إذ ليس من الممكن، أو ليس من المعقول أن يشهد سيدنا إبراهيم(ع) على انفطار أو انشقاق هذه السماء الظاهرة، فهو لم يكن قد خلق أو ولد بعد، لكنه يشهد على انفطار سماء الديانة القديمة التي شارك هو في فطرها وكشطها وإزالتها فعلا بعدما بدأ وشرع في تأسيس وبناء سماء دينه الجديد.
فسيدنا إبراهيم(ع) يشك ويتشكك ولا يتصور إمكانية أيمان قومه وانقلابهم لتقبل دينه الجديد، فهو منهم وعاش بينهم ويعلم مقدار عنادهم ودرجة تعصبهم لدينهم وقوة إصرارهم على عدم التخلي عن موروثاتهم. فالآية الكريمة، توضح ما كان عليه قوم إبراهيم من قوة العناد وشدة التعصب وقسوة القلوب بدرجة أن سيدنا إبراهيم(ع) لم يصدّق إمكانية تحولهم من حالة الموت بالكفر القديم إلى حالة الحياة بالأيمان الجديد الذي يدعوهم إليه، ويبدو أنه خبير مطلع بأحوالهم وعلى دراية تامة بمقدار توغلهم وغوصهم في بحور الغلو والتعصب. وهذا ما حصل فيما بعد بالفعل، ففي النهاية طردوه من أرضهم مما اضطر إلى ترك موطنه ومغادرة أرضهم والهجرة إلى أرض الشام وفلسطين ومصر ومن ثم إلى الجزيرة العربية لنشر دينه بين أقوام أخرى أكثر استعدادا لتقبل الإيمان. وبهذا تصدق مقولة السيد المسيح(ع): لا كرامة لنبي بين قومه.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)، أي يا إلهي.. إنك أمرتني بإعلان دين جديد بين قومي، وأنا عشت وترعرعت بينهم، وأعلم مقدار تعصبهم وغلوهم في دينهم، وأنه من المستحيل أن يتقبلوا دعوتي الجديدة، وسيفعلون كل ما يستطيعون عليه لمقاومتي وصدّي ووأد دعوتي.
(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)؟ هنا يسأل رب العزة خليله إبراهيم، ويذكّره بما سبق وحدث من قبل حينما حصل ذات الشيء بين قومه حينما ظهر دين أجداده الذي ما زال أبيه آزر يؤمن به حتى الآن، فلقد ظهر ذلك الدين بين ذات الأمة وكانوا من قبل على ذات العناد والتعصب وحاربوا رسولهم السابق، كما يتوقع إبراهيم منهم الآن محاربته. فهو لا يشك بقدرة الله وقوته وحكمته على تغيير قلوب الناس، بل يشك بنفوس قومه المتوغلة في أعماقها صفات العناد وجذور التعصب والغلو إلى حد النخاع حينما يجيب ربه: (بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، أي أريد مثالاً واقعياً ملموساً على إمكانية إيمان هؤلاء القوم بديني الجديد، فأنا لا أتصور إمكانية تحولهم من دين عاشوا وتربوا على تعاليمه وطقوسه لمئات السنين إلى إيمان جديد بدين جديد بمجرد أن أدعوهم إليه.
(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)، نلاحظ أن الكلام كان عن الأيمان والدعوة إلى دين جديد، أما دخول مفهوم (الطير)، فيبدو غريبا عن جوهر الموضوع بعض الشيء. لكننا عندما نعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب وصف المؤمنين التقاة الثابتين على دينه بالطيور وتشبيههم بها، كما قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)(28)، نفهم بعضا من أصل الموضوع. ففي هذه الآية الكريمة، نجد أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى أمر غريب وهو أن الطيور تدرك وتعلم وتفقه صلاتها وتسبيحها! ومن المعلوم أن هذا أمر مستحيل وغير ممكن حسب قوانين الطبيعة التي خلقها وأوجدها رب العزة بذاته. لأن الصلاة والتسبيح عمليتان لاحقتان لحالتي التفكّر والتعقل المتفرد بهما الإنسان لوحده، فهو المخلوق الفريد الذي يملك العقل ليفكر به. لذلك فالطيور لا تصلي ولا تسبّح، لا بعقولها ولا بألسنتها ولا بحركاتها، إنما هي تحكي للإنسان العاقل من خلال وجودها وطبيعة حياتها البسيطة عن عظمة خلق الله، وتضرب له مثلا بهذا المخلوق السامي المختلف عن غيره من المخلوقات حالة ترفعه وأنفته عن التعلق بتراب الدنيا وملذاتها. هذا بالإضافة إلى أن أحوال الطيور وأفعالها ومعيشتها ليست بالمسألة المستعصية الخافية، فالكثير من الناس يعرف تفاصيل حياتها وطريقة عيشها. لكن المقصود من الإتيان على ذكرها كمثال، هو تشبيه الإنسان المؤمن الروحاني بأحوالها وطريقة حياتها وسموها ولطافتها ووداعتها وجمالها وتنزهها عن متطلبات الحياة الأرضية الدانية، فهي تعيش في أوكارها وأعشاشها على أعلى الأغصان مبتعدة قدر الإمكان عن عالم التراب، عالمها هذا الفضاء الكبير، تكتفي بتناول ما بقربها من لذيذ الثمار والفواكه، لا تنزل من علوها إلى الأرض إلا حينما تبتغي نيل بضع قطرات من الماء لتروي عطشها أو عندما تشاء التخلص من أدران الدنيا وأتربتها في مياه الجداول والأنهار، منتبهة حذرة من تقرب بقية المخلوقات منها والاعتداء عليها، تسارع للطيران والعلو حالما تنهي مهمتها.
وهكذا هو حال المؤمنين الروحانيين الحقيقيين، فهم يقضون جلَّ أوقاتهم طائرين في سماء العبادة وفضاء الخشوع والإيمان والعلو، مترفعين عن شؤون الدنيا التي تلهي غيرهم من الماديين وتجذبهم إليها.
إذا علمنا هذا وانتبهنا إلى هذه النقطة الحساسة، نفهم أن جوهر الحديث في الآية المباركة لم يخرج عن إطار الأيمان والدين والمؤمنين، وبقي في صلب الموضوع.
نعود للفقرة المباركة (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)، أي يا إبراهيم: لقد آمن بدعوتك عدد قليل من قومك، فخذ أربعة منهم وتكلم معهم وزد في ثباتهم وإيقانهم في أمرك ودينك وأرفع من مستوى أيمانهم ودرجة إيقانهم حتى يصبحوا مثل طيور السماء في علوهم وطهارتهم وترفعهم عن شؤون الدنيا، وعندما تثق من ثبات نفوسهم وتتأكد من تجردهم عن عالم التراب والماديات وأنهم نفضوا عن قلوبهم وعقولهم ما التصق بها من تراب الأوهام وغبار الخرافات السابقة، عندها (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا)، أي أرسل كل واحد منهم إلى رجل جبل دين معروف من أعلام الدين السابق ليناقشوهم في أمور دينهم ويتحاجوا معهم ويبرهنوا لهم أحقية دينك الجديد، واتركهم عندهم لفترة كافية حتى تتم الحجة ويكتمل البرهان (ثُمَّ ادْعُهُنَّ)، أي.. وبعد أن يكملوا نقاشهم ويقدموا ما لديهم من دلالات وحجج، اطلبهم ليعودوا إليك وإلى دينك؛ عندها تراهم (يَأْتِينَكَ سَعْيًا) أي ينهضون كالأسود من مجالس الكافرين نافضين عنهم غبار التعصب وعوالق العناد ويعودون كالجواهر النقية غير متأثرين بأقوال جبال رجال دينهم القدماء ثابتين على دينك لا يحيدون عن سبيل الحق وطريق الأيمان الصحيح، وسيأتون للانضمام إلى جماعتك ومؤمنيك مرة أخرى (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أي وبهذا تتأكد أن الله عزيز غني عن دواب الكافرين وأنعام المعرضين ولا يريدهم بين صفوف طيور مؤمنيه، وهو حكيم في طريقة تعامله مع قلوب عباده، وعالم بكيفية تقليب قلوبهم إلى طرق الأيمان والسبيل القويم.
avatar
tokhimes

عدد المساهمات : 49
تاريخ التسجيل : 31/10/2008
العمر : 56
الموقع : ارض الميم والغين

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى