من مبادىء الدين البهائى *العدالة الأقتصادية*

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من مبادىء الدين البهائى *العدالة الأقتصادية*

مُساهمة  امال رياض في الإثنين مايو 26, 2008 4:29 pm


إن تاج الأهداف التي جاء لتحقيقها حضرة بهاءالله مبدأ يدخل في صميم تشكيل بُنية المجتمع الإنساني على إساس إلهي التكوين ألا وهو تحقيق وحدة العالم الإنساني، وهو هدف تقترب منه الهيئة الاجتماعية بكل مكوِّناتها. والقاعدة الصلبة التي ستقوم عليها تلك الوحدة هي العدالة. ذلك لأن العدل هو القوة الأوحد التي باستطاعتها أن تترجم وَعْيَ ضمير الفرد بوحدة الجنس البشري إلى عمل جادّ طاهر مجرد من شأنه أن يقيم الدعائم الضرورية لحياة إنسانية تنعم بالرخاء.
كلنا مقرّ بالخلل الحاصل في الشؤون الاقتصادية محلياً وإقليمياً وعالمياً، لدى الفرد والمجموعة والدول. فهناك القلة ممن تتحكم بالانتاج واكتناز الأموال والثروات على حساب كثرة عظمى من سكان الأرض ترزح تحت نير الفقر تمزقها أنياب الحرمان وتطحنها أضراس الجوع. هناك الدول الغنية بمواردها الطبيعية التي أنعم الله بها للبشر كافة وأخرى محرومة من ثمارها تصارع من أجل البقاء فغرقت في بحر الديون وفوائدها فازدادت فقراً وكانت مرتعاً لكل أشكال الانحراف عن طبيعة الإنسان الخيّرة. إنها اللاعدالة الاقتصادية التي جرت وراءها وما ابتلينا به من آفات اجتماعية وسياسية وخلقية جَنَتْهُ البشرية على مرّ التاريخ، وقد آن الأوان لوقفة للتأمل تتفق وما وصل إليه الإنسان من بلوغ في تفكيره وسلوكه. ولنتأمل فيما وجهه حضرة بهاءالله من نداء قائلاً:
"خبّروا الأغنياء بأنين الفقراء." - "الكلمات المكنونة" الفارسية
إنه نداء يشمل الأفراد والجماعات بقدر ما يشمل الدول والشعوب والأمم. ويخبرنا حضرة عبدالبهاء بقوله:
"عندما نرى الفقر وقد تحول إلى وضع من الحرمان فإنه مؤشر على الاستبداد والطغيان " - "محادثات عبدالبهاء في باريس"،مترجم، ص ١٥٩
وخاطب حضرة بهاءالله ضمير كل فرد وقلبه قائلاً:
"يا ابن الإنسان، أنفق مالي على فقرائي لتنفق في السماء من كنوز عز لا تفنى وخزائن مجد لا تبلى..." - الكلمات المكنونة" العربية وفي "سورة البيان" قوله:
"لا تحرموا الفقراء عما أتاكم الله من فضله وإنه يجزي المنفقين ضعف ما أنفقوا إنه ما من إله إلا هو له الخلق والأمر يعطي من يشاء ويمنع عمن يشاء وإنه لهو المعطي الباذل العزيز الكريم." - "آثار القلم الاعلى"، المجلد الرابع، ص ١١٤ ,,, ويبين لنا حضرة عبدالبهاء أيضاً أن التعاون يمنح الحياة مثلما تعمل أجزاء جسم الكائن الحي فتعطيه الحياة وذلك بقوله: "في عالم الوجود جميع الكائنات لها علاقة مع بعضها البعض، ومن هذه العلاقة يحصل التعاون والتعاضد، وهذا هو سبب البقاء والحياة، فإذا استبعد التعاون والتعاضد ولو لدقيقة واحدة من حقائق الأشياء تنحل جميع الكائنات وتصبح هباء منثوراً." - من كتاب "من مفاوضات عبدالبهاء"، مترجم، أنظر كتاب "الدين البهائي"، ص ١٤٨ وفي إطار هذا التعاون لا تنكر البهائية حق الفرد في التملك وإقامة المشاريع الفردية، ولا تدعو أن يكون الجميع متساوين في الدخل، لأن ذلك يتنافى وطبيعة الاحتياجات والقدرات بين إنسان وآخر، إذ إن هناك أنواع من خدمة المجتمع يقتضي أن يكافأ عليها أصحابها أكثر. وبالاجمال من الواجب أن يتيح النظام الاقتصادي العالمي فرصة لكل فرد أن يفي دخله بمتطلباته الأساسية،
فإن المبادئ البهائية التي تتناول الاقتصاد تضم بعض العناصر الإيجابية المشابهة للأنظمة الحالية ولديها الرؤية نحو إيجاد نظام اقتصادي جديد فريد من نوعه قائم على توزيع عادل للسلع والخدمات ولا نظير له في رؤيته العالمية,,,مهما قدمت من أنظمة اقتصادية بديلة حلاً للمشاكل القائمة، فلن تعمل بالكفاءة المطلوبة إذا بقي الإنسان حبيس أطماعه وأنانيته متخلياً عن مبادئ دينه ميّت الضمير والوجدان. فنظام من شأنه الحد من تضارب المصالح والمنافسات غير الشريفة واستباحة كل أسلوب للوصول إلى الثروة والمال، لن يعدّل من أسباب المعيشة إلا جزئياً إذا لم يقترن بوعي ضميري بالورع والتقوى وخشية الله. فالتوجه المادي الدنيوي يقسّي القلوب ويميت الروح فتجف الرأفة والشفقة وكل شعور إنساني. فيخبرنا حضرة عبدالبهاء بقوله:
"إن الأسس التي تقوم عليها الأحوال الاقتصادية برمتها إلهية في طبييعتها، ولها ارتباط بعوالم القلب والروح." - من كتاب The Promulgation of Universal Peace ص ٢٣٨
فأي نظام اقتصادي يطلق العنان للجانب المادي في الانسان الخاضع لشهواته النفسية وأطماعه وأنانيته ويغفل الجانب الروحاني، وهو الأساس، سوف يفشل في تحقيق هدف الله من خلق الانسان. وما نزلت الكتب والرسل إلا لتطوير طبيعة الإنسان الروحانية وتنميتها ليعيش في طاعة الخالق. يخبرنا حضرة شوقي أفندي بقوله:
"لقد ذهبت الانسانية ويا للأسف بعيداً في ضلالها وأصابها انحطاط هائل إلى درجة يصعب معها إنقاذها، إذ لا جدوى من جهود لا تأييد لها والتي يبذلها أشهر القادة ورجال الدولة البارزون مهما كانت نواياهم خالصة، ومهما بلغت أعمالهم من الإعداد والتخطيط... فلا جدوى من أي خطط تأتي نتيجة حسابات أكثر زعماء السياسة أهمية ولا فائدة من العقائد التي يسعى أصحاب النظريات الاقتصادية تقديمها، ولا جدوى من أي مبادئ يحاول دعاة الاصلاح والأخلاق من خيرة القوم غرسها في النفوس ما لم توفر في نهاية الأمر القاعدة الصحيحة التي يمكن أن يبنى عليها صرح المستقبل لعالم مشتت الأفكار والحواس. " - من كتاب The World Order of Baha'u'llah ص ٣٣-"
أما الفوارق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء، وهي مصدر من مصادر المعاناة الحادة، فتضع العالم على شفا هاوية الحرب والصراع وتدعه رهناً للاضطراب وعدم الاستقرار. وقليلة هي المجتمعات التي تمكنت من معالجة هذه الحالة معالجة فعالة. ولذلك فإن الحل يتطلب تنفيذ جملة من الاتجاهات العملية والروحية والخلقية. والمطلوب هو أن ننظر إلى هذه المشكلة نظرة جديدة تستدعي إجراء التشاور بين مجموعة موسعة من أهل الاختصاص في العديد من المجالات العلمية المتنوعة، على أن تتم المشاورات مجردة عن المحاولات العقائدية والاقتصادية ويشترك فيها أولئك الذين سوف يتحملون مباشرة أثر القرارات التي يجب اتخاذها بصورة ملحة. إن القضية لا ترتبط فقط بضرورة إزالة الهوة السحيقة بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، ولكنها ترتبط أيضاً بتلك القيم الروحية الحقة التي يمكنها، إذا تم إدراكها واستيعابها، خلق اتجاه عالمي جديد يكون في حد ذاته جزءاً
رئيساً من الحل المطلوب." - بيت العدل الأعظم، رسالة "السلام العالمي وعد حق"، تشرين الأول ۱٩٨٥م

إذن فالعدالة الاقتصادية وما يتبعها من أزمات خانقة هنا وهناك وما تفرزها من آفات اجتماعية أساس حلها روحانيأن حضرة بهاءالله قد وضع للعالم خطوطاً رئيسية لنظام اقتصادي عالمي منصف، وترك لأصحاب الاختصاص من الاقتصاديين العالميين وضع التفاصيل التي سوف تخضع للتغيير بين الحقبة والأخرى تبعاً للتطور البشري في الحاجات والقدرات.
أولاً - أوجب حضرة بهاءالله على الجميع العمل والتكسب، فلا عاطل كسول أو قاعد يستجدي، وحث على تعلم الصنائع والفنون والحرف إلى جانب العلوم النظرية والآداب وغيرها، وذلك بقوله في كتابه الأقدس:
"قد وجب على كل واحد منكم الاشتغال بأمر من الأمور من الصنائع والاقتراف وأمثالها. وجعلنا اشتغالكم بها نفس العبادة لله الحق. تفكروا يا قوم في رحمة الله وألطافه ثم اشكروه في العشيّ والإشراق. لا تضيعوا أوقاتكم بالبطالة والكسالة واشتغلوا بما ينتفع به أنفسكم وأنفس غيركم... أبغض الناس عند الله مَن يقعد ويطلب. تمسكوا بحبل الأسباب متوكلين على الله مسبب الاسباب." - "الكتاب الاقدس"، فقرة ٣٣
ثانياً - ربح النقود: بالنظر لتطور الحياة الاقتصادية في عصرنا الحاضر، فقد أباحت البهائية تعاطي ربح النقود ترويجاً لمصالح الفرد والمجتمع وتسهيلاً لهم في تحقيق مصالحهم التجارية التي أصبحت متشابكة ومتبادلة في آن معاً. وتركت لبيت العدل الأعظم تحديد نسبة الفائدة وأوصت بالعدل والإنصاف. ويقول حضرة بهاءالله بهذا الصدد:
"إن أكثر الناس محتاج لهذه المعاملة، ولو لم يكن ربح متداول معمول به بين الناس تتعطل وتتعوّق الأمور. وقَلّما يوجد مَن يوفَّق بمراعاة أبناء جنسه وأبناء وطنه وإخوانه ويقرضهم قرضاً حسناً، لذا فضلاً على العباد قررنا الربح كسائر المعاملات المتداولة بين الناس... ولكن يجب أن يكون الأمر بالاعتدال والإنصاف." - "لوح الاشراقات"
ثالثاً - منع الاستعباد والرق الزراعي والصناعي، وأنه من الضروري أن يكون رأس المال والعمل شريكين. فبالاضافة إلى أجر العامل يجب أن يعطى نسبة محددة من الأرباح حتى يشعر بأنه جزء من المشروع، وبذلك يحل التفاهم والتعاون والتعاضد بدل النزاع والاضراب الذي يضر بمصالح الجميع.
رابعاً - تقسيم الميراث والتركة إلى سبع طبقات لمن لم يترك وصية وهي: الذرية - الزوج أو الزوجة - الأب - الأم - الأخ - الأخت - المعلمون. وحُدِّدت حصة كل طبقة، وفي حالة فقدان أي منهم حدد الشرع لمن تؤول.
خامساً - الثروات الطبيعية. بما أنها مِنْحة من الله للبشرية فإنها من حق الجميع أن يستفيد من خيراتها، لذلك فإن هيئة عالمية لها صلاحيات كافية يجب أن تقوم باستغلالها والاشراف عليها وتوزيعها بين دول العالم حسب احتياجاتها بكل إنصاف.
سادساً - ضرورة توحيد العملة في العالم لتسهيل المعاملات التجارية وغيرها وتوفيراً للاموال الطائلة نتيجة التحويلات المالية.
سابعاً - الاتقاق على مقاييس وأوزان ومكاييل واحدة تستعملها جميع أمم الأرض.
ثامناً - فرض الضرائب التصاعدية على ذوي الدخل العالي بما يحقق الانصاف، وإعطاء من لا يكفي دخله احتياجاته الضرورية.
تاسعاً - ضريبة العُشر على المزارعين بالإضافة إلى ضريبة الحيوانات.
وعليه، فإن البهائية تلتزم جانب الاعتدال في تحقيق حل المشكلة الاقتصادية ومعالجة اختلال الميزان الاقتصادي العالمي. فهي لا تقر مبدأ القوة واستعماله لنزع ثروات الاغنياء أو إجراء المساواة التامة بين العموم في الأمور الاقتصادية، إذ إن المساواة أمر لا يمكن تحقيقه في عالم الطبيعة نظراً للتفاوت الطبيعي القائم بين الخلق في القابليات والاستعدادات الذاتية كالتفاوت الموجود في الصور والاشكال الظاهرة، ولكن من المحقق أنه باستعمال الحكمة واتباع الانصاف إزاء هذه الكيفية يمكن التوصل إلى حل مرضٍ جداً للطبقات العامة ولأصحاب رؤوس الأموال الذين سوف لا يتمكنون من جمع ثروات عظيمة من عمل العمال وتعبهم فيما لو تم الاتفاق بين الطرفين على اقتسام الارباح التي يدرّها العمل بصورة تكفل حقوق كل من العامل وصاحب المال، وهذا لا يتم إلا بواسطة قيام الحكومات بسن القوانين اللازمة ضمن دائرة المنطق والانصاف بحيث يمكن القضاء على الغنى المفرط والفقر المدقع في كل مجتمع.

امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى