قرن الأنوار * جذء اول *

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قرن الأنوار * جذء اول *

مُساهمة  امال رياض في الجمعة أبريل 11, 2008 7:51 am

قرن الأنوار

ها قد وصل القرن العشرون إلى نهايته بعد أن كان أكثر القرون اضطراباً في تاريخ الجنس البشري، وباتت الأغلبيّة السّاحقة من أهل العالم، وقد روّعتها الفوضى الاجتماعيّة والأخلاقية التي دمغت مسيرة ذلك القرن، باتت حريصة على دفن ذكرى المعاناة التي جلبتها عقوده المتتالية. ومهما بدت الثقة في المستقبل هشّة واهنة الأساس، ومهما تعاظمت الأخطار التي تلوح في الأُفق، فإنّ الإنسانيّة تحاول جاهدة أن تتمسّك بالاعتقاد أنّه يمكن، عبر مصادفة تترابط فيها الظّروف، إخضاع أحوال الحياة البشريّة لتتوافق مع الرّغبات الإنسانيّة الرّاهنة.

إلاّ أنه في ضوء تعاليم حضرة بهاء الله لا يبدو مثل هذا الأمل مجرّد وهم سرابيّ فحسب، بل تجاهلا كاملا لمعنى وطبيعة المنعطَف الخطير الذي مرّت به الإنسانية عبر السنوات المائة من تلك الفترة الحاسمة. ولن تستطيع الإنسانية مواجهة تحدّيات المستقبل إلاّ إذا أدركت كُنه الأحداث التي وقعت في هذه الحِقبة من التاريخ. ولعلّ مقدار الإسهام الذي بإمكاننا أن نقدّمه كبهائيّين في هذا المضمار يتطلّب منا إدراك أهمّية هذا التحوّل التاريخي في القرن العشرين وتفهّم معناه.

إنّ النّور الذي شعّ من ظهور حضرة بهاء الله، والأثر الذي تركه هذا الظهور في ميـدان الشـؤون الإنسانية، هما القادران على أن يخلقا لدينا تلك البصيرة النافذة الباعثة على الإدراك. وإن هذه الفرصة المتاحة لنا الآن هي الموضوع الذي تعرضه الصفحات التالية.


فلنسلّم بادئ الأمر بصحّة القول إنّ الجنس البشريّ قد ألحق بنفسه دمارا هائلا إبّان هذه الفترة التاريخية التي نستعرضها الآن. فالأرواح التي أُزهقت لا يمكن أن تحصى أو تُعد. ونورد هنا فقط ما يبدو أمثلة صارخة في سلسلة الفظائع التي لم تعرفها حتى أحلك العصور الغابرة ظلاما ومنها: انهيار المؤسسات الأساسيّة للنظام الاجتماعي، وانتهاك حرمة قواعد اللياقة والأدب والتخلّي عنها فعلا، وخيانة الحياة الفكرية بالاستسلام لسيطرة مذاهب إيديولوجية تافهة بقدر ما هي جوفاء، ثم اختراع أسلحة الدّمار الشامل المرعبة وانتشارها، إضافة إلى الإفلاس الذي حلّ بأمم بأسرها، والفقر المدقع الذي أصاب جماهير غفيرة من عامة البشر، وأخيرا الدّمار الاعتباطي الأرعن الذي لحق ببيئة الكرة الأرضيّة. إن مجرّد سرد هذه الفظائع يقودنا إلى أن نستذكر الإنذارات الإلهية التي عبّرت عنها كلمات حضرة بهاء الله قبل قرن من الزمان إذ تفضّل قائلاً:

أيّها العباد الغافلون! ومع أنّ بدائع رحمتي قد أحاطت جميع ممالك الغيب والشهود، ومظاهر جودي وفضلي قد سبقت كلّ ذرّات الممكنات فإن سياط عذابي لشديد وظهور غضبي لعظيم.1

وكيلا تراود نفس أي مراقب لتاريخ هذا الأمر أن يفسّر مثل هذه الإنذارات خطأ على أنها من الاستعارات المجازيّة والتعبير الرّمزي، كتب حضرة شوقي أفندي في العام 1941 محلّلاً مضمون تلك الإنذارات كما يلي:

تكتسح وجه البسيطة اليوم عاصفة هوجاء، عديمة المثال في عنفوانها، ولا يمكن التكهّن بمسارها، جالبةً الكوارث والنّكبات في آثارها المباشرة، بينما تبشّر نهايتها بنتائج باهرة لا يمكن تصوّر عظمتها. وتدفع بهذه العاصفة قوّة محرّكة، لا ترحم ولا تلين، تتّسع مجالا وتزداد زخما. ومهما كانت قدرتها على تطهير العالم مستورة وخفيّة لا يمكن تقفّي آثارها، فهي قدرة تتعاظم يوما بعد يوم. وهكذا تجد الإنسانية نفسها أسيرة في قبضة تلك القوى المدمّرة، وقد أذهلتها الشّواهد على ضراوة تلك العاصفة التي لا سبيل إلى مقاومتها، كما تجد نفسها أيضا عاجزة عن اكتشاف مصدر تلك العاصفة أو سبر غور معناها، أو التعرّف على نتائجها. فهاهي الإنسانية وقد أصابها الذّهول والارتباك، وألمّ بها عذاب أليم، ولفّها اليأس والقنوط، ترقب هبوب هذه الريح الصرصر العاتية التي بعث بها الله لتخترق ربوع الأرض أطيبها وأبعدها، مزلزلة أسسها، مقلّبة نظمها، مشتّتة أممها، مخرّبة ديار شعوبها، مدمّرة مدنها، مشرّدة ملوكها إلى ديار الغُربة والنّفي، مقوّضة حصونها، مقتلعة جذور أنظمتها، مطفئة نورها، ملوّعة نفوس أهلها.2


في العام 1900 كان العالم، من وجهة نظر أصحاب النفوذ وأهل الثّراء، هو أوروبا وحسب. وكان اعتبار الولايات المتحدة ضمن ذلك العالم كأنه تنازل عن حق مُنح على مضض. وانتهجت الإمبريالية الغربيّة سياسة استهدفت استعمار شعوب البلدان الأخرى معتبرة ذلك رسالتها في ”نشر الحضارة“ وتمدين العالم بأسره. ووصف أحد المؤرخين العقد الأوّل من القرن العشرين بأنّه كان في الأساس امتدادا ”للقرن التاسع عشر الذي عمّر طويلا“.3 فقد شهدت تلك الفترة من التاريخ عصرا كان الشعور السائد فيه مليئا بغرور لا حدّ له تمثّل في الرّضاء عن الذّات رضاء كاملا. وتلخّصت روح العصر على أفضل وجه في الاحتفالات التي أقيمت العام 1897 تكريما لذكرى مرور ستين عاما على حكم الملكة فكتوريا، وهو الاحتفال المعروف ”باليوبيل الماسي“. وقد ضمّ الاحتفال عرضا عسكريا استغرق مروره عبر شوارع لندن ساعات طوالا، وصاحب ذلك استعراض للقوة العسكرية بكامل دروعها وأبهى حللها الرسمية فاق كل ما سبق أن أقدمت عليه الحضارات الماضية في هذا المضمار.

وفي بداية القرن العشرين شعر نفر قليل من الناس، على اختلاف مشاعرهم وأهوائهم الاجتماعية أو الأخلاقية، بأنّ كوارث تلوح في الأفق، ولكنّه قلّ أن وُجد من يدرك حجم تلك الكوارث وفداحتها. وتوقّع القادة العسكريون في الأمم الأوروبية نشوب حرب ما، ولكن موقفهم تجاه هذه التوقعات كان القبول بالأمر الواقع يحدوهم في ذلك اعتقاد راسخ ذو شقّين: الأوّل بأن الحرب سوف تكون قصيرة الأجل، والثاني بأن النّصر سيكون حليف فريقهم هم دون الآخرين.

كاد نشاط الحركة العالمية من أجل السلام يرقى إلى حدّ المعجزة، فأخذت تستقطب وتضم إلى صفوف مؤيّديها أهل السياسة، وزعماء الصناعة، والعلماء، ورجال الإعلام، والشخصيات من أصحاب النفوذ. وكان من بين هؤلاء قيصر روسيا، الشخصية التي كان احتمال انضمامها إلى مثل هذه الحركة مستبعدا. ورغم أن ازدياد حركة التسلّح كان قد تجاوز كلّ الحدود وأنذر بالعظيم من الشرور، فإن شبكة التحالفات متداخلة الأطراف التي تمّت صياغتها بكثير من الجهد بدت وكأنّها تطمئن الناس إلى أن في الإمكان فض النزاعات الإقليمية وتلافي اندلاع حرب شـاملة، كما كان الحال في معظم الوقت في القرن السابق. ودعم هذا الوهم أن معظم ملوك أوروبا تربط بعضهم ببعض أواصر القرابة وينتمون إلى أسرة موسّعة وأن غالبيتهم تمارس سلطة تبدو وكأنها مطلقة إضافة إلى أن رفع الكلفة بينهم عوّدهم على أن يتنادوا تحبّبا بالكنايات، ثم كانت المراسلات بينهم بصورة حميمة، وكانوا يتزاوجون في ما بينهم فيقترن الواحد منهم بشقيقة الآخر أو بابنته ويمضون إجازاتهم بعضهم مع بعض لمدد طويلة كل عام في القلاع التي يملكونها وأكواخ الصّيد التي يأوون إليها، ويشتركون معا في تنظيم سباقات الزوارق البحرية. وحتى الفوارق المؤلمة في توزيع الثروات أولتها المجتمعات الغربية اهتمامها بجدّ ونشاط وإن كان ينقصها التنسيق والتنظيم، وعالجت هذا الأمر من خلال سَنّ القوانين الهادفة إلى سدّ الاحتياجات الملحّة للنمو السكاني في المدن إضافةً إلى كبح جماح الشركات التجارية الجشعة والتي كانت في القرن الماضي تنهب الناس وتسلبهم أموالهم.

أمّا الأغلبيّة الساحقة من الأسرة الإنسانية التي تقطن خارج حدود العالم الغربي فكان نصيبها من النّعم التي يتمتع بها إخوانهم من الأوروبيين والأميركيين ضئيلا ولم تكن تشاركهم في تفاؤلهم إلا قليلا. وأمست الصين رغم حضارتها العريقة وإحساسها بأنها ”المملكة الوسطى“ ضحية منكودة غزتها سلبا ونهبا كل الأمم الغربية واليابان جارتها المستحدثة. وخضعت جماهير الهند الغفيرة في حياتها السياسية والاقتصادية للسيطرة الكاملة لدولة إمبريالية واحدة فقط، فحال ذلك دون دخولها إلى معترك المنافسة لتحقيق مصالحها. ومع أن الهند نجت من أقبح المساوئ التي عانت منها بلاد أخرى، فقد وقفت عاجزة وهي تشاهد استنزاف مواردها الحيوية التي هي في أشد الحاجة إليها. أمّا مصير أميركا اللاتينية المنتظر فقد تمثّل بكل وضوح في تلك المعاناة التي مرّت بها دولة المكسيك حين خسرت مناطق شاسعة من أراضيها ضمّتها عنوة إلى ممتلكاتها جارتها الشمالية الكبرى، فضلا عن أن مواردها الطبيعية كانت قد لفتت انتباه الشركات الأجنبية الجشعة وأثارت اهتمامها. ولعل ما يبعث على الإحراج ولا سيما من وجهة النظر الغربية، الأحداث التي وقعت في جوار العواصم الأوروبية الكبرى كبرلين وفينيا وما رافقها من ظلم واضطهاد شبيه بما كان يحدث في القرون الوسطى تحمّله عشرة ملايين من الفلاّحين الروس الذين أعتقوا من ربقة العبودية لدى أسيادهم ملاّك الأرض فكانوا أحرارا بالاسم فقط إذ عاشوا حياة مثقلة بالبؤس والشقاء. وكانت أفظع الفواجع شأنا محنة شعوب القارّة الأفريقية التي دفعت الى مواجهات فيما بينها عبر حدود زائفة اصطنعتها الدّول الأوروبية نتيجة مساومات سياسية اتّسمت بالاستخفاف والنيّات السيئة. ففي العقد الأول من القرن العشرين هلك ما يقدّر بأكثر من مليون نسمة من شعب الكونغو. إذ جُوِّع هؤلاء وضُربوا وأجبروا على العمل حتى الموت لينتفع أسيادهم الغرباء ويضاعفوا ثرواتهم، وما حلّ بهؤلاء لم يكن سوى صورة تنذر بما سيؤول إليه مستقبلا مصير أكثر من مائة مليون نسمة من إخوانهم البشر عبر القارّتين الأوروبية والأسيوية قبل نهاية القرن

امال رياض
مشرف

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 15/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قرن الأنوار * جذء اول *

مُساهمة  فارس اليراع في الإثنين أبريل 14, 2008 10:20 am

جزء اول وليس جذء
وشكرا
avatar
فارس اليراع

عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يتفضل حضرة بهاء الله

مُساهمة  Al6af Alma7aba في الإثنين مايو 12, 2008 7:43 am


اليوم يوم ظهر فيه بحر الرحمة واشرقت شمس العناية وارتفع سحاب الجود ينبغي انعاش النفوس المنكسرة بنسائم المحبة والمودة ومياه العطف والمرحمة .

sunny sunny sunny

avatar
Al6af Alma7aba
مشرف

عدد المساهمات : 31
تاريخ التسجيل : 17/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قرن الأنوار * جذء اول *

مُساهمة  عبير الرياض في الخميس أكتوبر 13, 2011 5:28 pm

موضوع رائع وهادف بانتظار الجزء الثاني

شكرا
avatar
عبير الرياض

عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 12/10/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى